Yahoo!

مرحبا بك في مدونتك جامعة الرسالة، مرحبا بتعليقاتك، مرحبا بمواضيعك، مرحبا بإقتراحاتك، زيارتك وتركك لتعليق دعم لنا.


في كل أمر لابد من أول إن استطعت أن تكون الأول فكن

عدنا بعد غياب إضطراري في بلاد لا تعترف بالكفاءات

كتبها Akhouzam Hicham ، في 12 أبريل 2010 الساعة: 12:55 م

عذرا إخواني أخواتي الكرام على طول الغياب و عدم التجاوب مع تعليقاتكم في أحيان كثيرة.
لكن أضنني سأتواجد من الان فصاعدا مرحبا بنا جميعا في هذه المدونة.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

دور المجتمع المدني في التنمية البشرية

كتبها Akhouzam Hicham ، في 27 سبتمبر 2007 الساعة: 16:27 م

————————————————————-

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة بحث لنيل الإجازة في العلوم السياسية

 :تحت عنوان

 دور المجتمع المدني في التنمية البشرية

        الجمعيات أنموذجا

إنجاز الطالب هشام أخزام / عبد الفتاح حلوة

 

نزولا عند رغبة العديد من الباحثين للإستفادة من هذا المجهود العلمي يسعدنا  في مدونة جامعة الرسالة أن ننشر البحث كاملا

 

 

المقدمة:      
        إن الاستثمار في العنصر البشري أضحى غاية كل المجتمعات التواقة إلى النمو والإنعتاق من بوتقة التخلف الحضاري، فالاتجاه السائدة اليوم يرى أن مدخل التنمية وأساسها هو تنمية إمكانات كل فرد وتأهيله وتمتيعه بكامل حقوقه وإلزامه بكافة واجباته حتى يكون معنيا بما يجري حوله ويتحمل نصيبه من الربح والخسارة العامين، بل أكثر من ذلك فإن الفكرة التي تمحورت حولها كل الخطابات المتعلقة بفك العزلة على العالم القروي ومحاربة الفقر والتهميش وإشراك المرأة والشباب, ترى أنه من الممكن إيجاد حلول لهده الصعوبات عبر تأهيل العنصر في إطار العمل الجمعوي.
        لقد أدركت دول الشمال هذه المرتكزات، وبالتالي عملت على إعطاء العنصر البشري المكانة اللائقة به عبر تأهيله وتوفير البيئة والمناخ اللازمين لتفجير طاقاته وتنمية ملكاته الفطرية والمكتسبة وبالتالي عملة على تكوين الإنسان القادر على العطاء والابتكار والمنافسة.
        وإذا كان مجتمعنا قد حاول مند فجر الاستقلال على محاولة العناية والاهتمام بالعنصر البشري عبر تأهيل فضاءه, وتوفير حاجاته الأساسية ومتطلباته المعيشية, والمناخ السياسي الضروري لممارسة حرياته, فإنه لحد الآن لم يستطع أن يحقق ذلك على الأقل على المستوى الاجتماعي والاقتصادي إذا قبلنا نسبيا الانفراج السياسي الحاصل .
         فبدحر الاحتلال الفرنسي الظالم عن المغرب, انتعش المجتمع المدني المغربي عبر إصدار ظهير 58 المنظم للحريات العامة الذي اتخذ طابعا حرا، وما تلاه بعد من عدة تعديلات، جعلت المجتمع المدني بشكل عام والجمعيات بشكل خاص تضطلع بدور أساسي في تنمية المغرب ثقافيا وسياسيا وحتى اجتماعيا, غير أن الأزمات الاجتماعية والسياسية التي عرفها المغرب بعد دلك أفضت إلى تضييق الخناق على العمل الجمعوي والسياسي ليدخل المجتمع المدني إلى مرحلة تضييق الخناق وتقليص الحرية مما سيؤدي إلى تراجع دور المجتمع المدني داخل النسق العام وبالتالي ضعف مساهمته في التنمية, مما أدى إلى تدهور الوضع العام وتقلص الحريات العامة الذي بدور أدى إلى تراجع قدرة تنافسية الدولة المغربية على الصعيد العالمي الشيء الذي سيضطر السلطات العامي إلى إعادة مراجعة الحسابات والرهانات وإعادة الاختيارات من جديد وبالتالي إعادة الاعتبار للمجتمع المدني, والمراهنة عليه للمساهمة في دفع عجلة التنمية البشرية للتحرك للأمام.
       من المؤكد أننا نعيش في عالم سيمته الأساسية الصراع والتنافس, التنافس على كل شيء وفي كل شيء وأهم ذلك تحقيق الرفاه والرخاء لأفراده, في هذا السياق يأتي تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية الذي يصنف الدول حسب ما حققته في مجال التنمية البشرية؛ أي توسيع خيارات الإنسان.
        وإذا استحضرنا موجة العولمة التي تغرق في تيارها كل من لا يقوى على ركوبها في سياق النظام الكوني الجديد، وما تتطلبه هذه المسايرة من قيم القدرة والكفاءة و الجودة و التنافسية والحوار والشراكة، للانخراط في تنافسية وصراع النظام الكوني بالمحافظة على الذات وعدم الانصهار فيه، كل هذا لا يمكن امتلاكه إلا انطلاقا من امتلاك القدرة أولا على تفعيل الذات بكل تملكه من إمكانيات، ومقومات، وخصوصيات حضارية, ومؤهلات بشرية متنوعة.
        مما لا ريب فيه أن امتلاك هده القدرة لا يتم إلا عبر شروط من أهمها: مساهمة المجتمع المدني في الحياة العامة, والاستثمار في العنصر البشري بهدف إدماجه في عملية التنمية البشرية. حتى نستعيد تفوقنا الحضاري.
        إن التنمية البشرية كفكرة تقوم على أساس خدمة الإنسان، فكل ما هو موجود في الكون إنما وجد ليستفيد منه الإنسان ويتمتع به, حتى يتطور هذا الإنسان ويحسن أوضاعه وظروف حياته، إلا أنه كمصطلح قد نتفق أنه حديث الظهور بمعنى أن المضمون سبق المصطلح ، عرف تعريف التنمية البشرية مدا وجزرا بين تيارات فكرية متعددة حسب خلفية واعتقاد كل مفكر على حدة, إلا أنها تلتقي في نفس الغاية وهي استهداف الإنسان بواسطة الإنسان. 
        يعتبر موضوع البحث الذي بين أيدين والذي اخترنا له العنوان التالي " دور المجتمع المدني في التنمية البشرية – الجمعيات أنموذجا- من المواضيع التي استأثرت بالاهتمام في السنوات الأخيرة نظرا لأنه يبحث في دور مكون هام من مكونات المجتمع في موضوع هام ضمن المواضيع العامة ، أن هذا البحث يحاول أن يناقش دور الجمعيات في عملية التنمية البشرية ، وعندما نقول دور نقصد ما هي مهام والوظائف التي يمكن للجمعيات ان تقوم بها في عملية التنمية البشرية ، كيف يمكن للجمعيات أن تتحمل مسؤولية المساهمة في التنمية وتملأ الفراغ الذي يتركه دور الدولة في العديد من المجالات ، بالإضافة إلى تبيان ما مدى قدرة الجمعيات على تعبئة الموارد البشرية والمادية من أجل الاستجابة لأي مبادرة وطنية تهدف لخدمة الصالح العام ، لكن بحث الدور الذي يمكن أن تلعبه الجمعيات في التنمية البشرية يمر من خلال بحث ما هي التنمية البشرية وما هي تركيبتها الداخلية والخارجية وبحيث كل ما يرتبط بها ، بعد أن نكون قد عرفنا ما هو المجتمع المدني وعرفنا مكونه الأساسي الذي هو الجمعيات ، إلا انه من الصعب بحث دور الجمعيات بشكل عام في التنمية البشرية لذلك سنخصص العمل الجمعوي في نطاق جغرافي ومن خلال جمعية معينة اخترناها بعناية فائقة وهي جمعية الرسالة للتربية والتخييم فروع جهة الشاوية.
        إذن هذا البحث سيعمل على توضيح قدرة الجمعيات في التنمية البشرية في جهة الشاوية بشكل عام مع بعض النماذج، وبشكل خاص من خلال جمعية الرسالة للتربية والتخييم بجهة الشاوية.
        إن أهمية أي موضوع لا تمكن في تناوله نقاط كثيرة وتفسيره لظواهر عديدة وإنما تمكن أهمية الموضوع فيما قد يضيفه هذا الموضوع في ساحة البحث العلمي ، وفي كيفية تناوله ، وكذلك طبيعة النقاط المتناولة في الموضوع ، ها هي مستهلك أمر أنها ما تزال في حاجة للبحث ، وموضوعنا هذا تتجلى أهميته على عدة مستويات .
        إشكالية والموضوع والتي سنطرحها لاحقا تعطي الموضوع أهمية تجعله يستحق عناء البحث والمتابعة.        الموضوع ككل سيمكن من معرفة قدرة الجمعيات على الانخراط والعمل في المبادرة من حجم المبادرة الوطنية في التنمية البشرية وبالتالي الوقوف على مدى قدرة هذا المكون من تعبئة الموارد البشرية والمادية الوطنية للاستجابة للمصلحة الوطن.
        يتناول الموضوع قضايا جزئية تشكل البناء العام للموضوع وبالتالي يبحث في ما هية التنمية البشرية ويقربنا منها، ويعطينا صورة واقعية للعمل الجمعوي ودوره فيها .
        المنهج المعتمد في هذا البحث حيث نجد اعتماد مجموعة من المناهج منها التاريخي حيث تمت دراسة مفهوم التنمية البشرية بدراسة ماضيها والبحث في نشوئها وأسباب تطورها ومختلف العوامل المتحكمة في ذلك، تم اعتماد المنهج المقارن من خلال إجراء مقارنات عديدة بهدف تحديد أوجه الالتقاء والتعارض، وكذلك الخروج بالخلاصات والاستنتاجات في العديد من المناسبات تم الاعتماد المنهج النسق ويتضح ذلك خلال النقطة المتعلقة بمفهوم التنمية البشرية في الفكر الإسلامي تم إتباع المنهج البنيوي عند تناول مرتكزات التنمية البشرية وكذلك عند طرح إستراتيجية المغرب وكذلك اعتماد المنهج الوطني عند بحتنا مشاكل وإمكانيات الجمعيات للمساهمة في التنمية البشرية .
        إن تناول الموضع بالبحث من خلال مناهج متعددة يضفي على البحث أهمية خاصة ويعطيه قيمة إضافية هذه القيمة تتجلي في النتائج المتوصل إليها من خلال اعتمادنا هذه المناهج ، تم بالإضافة إلى ذلك فأهمية الموضوع تتجلى أيضا في دراسة نموذج تطبيقي من خلال البحث الميداني واعتماد آليات المتمثلة في الاستمارة ، والمقابلة ، وكذلك ملاحظة الوثائق وفن تأويلها.
        هذا من الناحية العلمية البحثية، هناك ناحية أخرى وهي الإطار التاريخي للموضوع أيضا يعطيه أهمية معينة خاصة أنه يأتي في موجة الحديث عن التنمية وأهميتها من طرف كل مكونات المجتمع الرسمية وغير الرسمية وحتى العامة.  
        يأتي هذا الموضوع في سياق تاريخي متزامن مع الخطاب الملكي ليوم 18 ماي 2005, الذي جاء فيه الإعلان عن المبادرة الملكية للتنمية البشرية ، والتي جاءت كرد فعل على الوضعية التي يحتلها المغرب في ترتيب الدول حسب مؤشر التنمية البشرية وهي الرتبة 125 ، حيث نجد دول أضعف من المغرب حققت تنمية بشرية أكثر من المغرب بالإضافة إلى الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وحتى الثقافية المتدهورة ويمكن أن نعطي بعض المؤشرات (1) ، فالعمر المتوقع عند الولادة بالسنوات سنة 2002 هو 68.5 حسب تقرير التنمية البشرية 2004، ويأتي المغرب وراء الجزائر ب 69.5, وتونس ب76.8, وفلسطين بالرغم من الاحتلال ب 72.8. أما معدل معرفة القراءة والكتابة فالمغرب أيضا يحتل أخر الرتب مقارنة مع دول المغرب العربي ولا مجال للمقارنة مع فلسطين التي يبلغ معدلها 90,2% والذي يفوق الدول العربية . أما معدل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي فإن المغرب دائما يحتل الرتبة الأخيرة [1] بمعدل 3.810 وراء الجزائر ب 5.760, وتونس ب 6.760, ثم ليبيا ب 7.570. إذن هذه مؤشرات دليل التنمية البشرية الذي تحتل المغرب فيه الرتبة 15 بين 20 دولة عربية، والرتبة 125بين 173 دولة في العالم.
        إضافة إلى ما سبق, فإن هذا السياق تميز بالمراهنة على المساهمة الفعالة للمجتمع المدني لتفعيل هذه المبادرة التي يأمل من خلالها إلى تخفيف حدة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الخانقة ، هذه المبادرة خلقت نقاش واسع في صفوف كل مكونات المجتمع المغربي ، وبالتالي العديد ينتظر من هذه المبادرة أن تحقق شيئا لم يتم تحقيقه من قبل ، ويترقب أي دور ستلعبه الجمعيات في تفعيل هذه المبادرة وتحقيق بعض المكتسبات للشعب المغربي ، إذن الإطار التاريخي لهذا الموضوع يتميز بالاهتمام الواسع المولى لماذا الموضوع بشكل مباشر أو غير مباشر. 
        الموضوع الذي ليست له إشكالية يبقى موضوعا جامدا إن لم نقل إنه بدون روح ، والموضع الواضح الإشكالية يعتبر موضوع حي وحيوي في أن واحد ،إن إشكالية هذا البحث لا تعتبر عن شيء معرفي يوجد في فكر أصحاب هذا البحث أو فكر مؤطرهم, بل يوجد في فكر العديد من المهتمين بالعمل الجمعوي بشكل خاص والمجتمع المدني بشكل عام .
تتجلى إشكالية في العنوان ذاته ، بمعني هل يمكن للجمعيات أن تلعب دورا ما في التنمية البشرية ، كإشكالية عامة للموضوع ومنها نطرح إشكالية خاصة متعلقة بالنموذج المدروس هل يمكن لجمعية الرسالة للتربية والتخييم لجهة الشاوية أن تساهم في التنمية البشرية ، هذه الإشكالية المركزية للبحث سواء العامة أو الخاصة سنحاول الإجابة عليها من خلال إشكالات فرعية مستمدة من الإشكالية العامة والخاصة في شكل أسئلة كالأتي : ما هي إمكانات الجمعيات وحدودها الذاتية والموضوعية ، ما مدى قدرتها على تجاوز الصعوبات التي نواجهها ؟ هل هناك انسجام بين مبادئ وقيم التنمية البشرية وبين مبادئ وقيم الجمعيات التي تتبنى مشاريع تنموية في إطارها جمعية الرسالة للتربية والتخييم ، أنموذجا هل هناك رغبة حقيقية لإشراك الجمعيات في التنمية البشرية والمساهمة فيها ؟ هذه الأسئلة المؤطرة للإشكالات الفرعية تمهد لطرح فرضيات ستعمل ضمنيا على تأكيد صحتها ، أو تنفيذها هذه الفرضيات كالتالي: ربما لمفهوم التنمية البشرية يطرح مشاكل فكرية عديدة ، ربما الجمعيات لم بعد إلى مستوى الذي يمكننا من بلورة مشاريع مجتمعية تنموية، ربما هناك استثناء بإمكانه المساهمة فعليا في التنمية البشرية.
        من أجل إثبات الفرضيات أو دحضها، ومن أجل الإجابة على الإشكاليات الفرعية والإجابة على الإشكالية المركزية الخاصة والعامة سنعمل على إعطاء بعض التعاريف المتعلقة بالمجتمع المدني تم تخصيص الحديث عن الجمعيات كأحد مكوناته الأساسية ، بعد ذلك ستعمل على مقارنة مفهوم التنمية البشرية وذلك من خلال مقارنة تاريخية ومفاهيمية للمضمون والمصطلح ، تم دراسة الإشكالات المتعلقة بالمضمون والتناقضات التي تطرحها قيمه بين الخصوصية والعالمية ، ثم ندرس محدداتها من خلال دراسة مجالاتها وإشكالها وكذلك آلياتها ومؤشراتها ثم نمر لدراسة مداخلها الأساسية عبر دراسة أهدافها ومتطلباتها ودراسة قيمها وتحدياتها, ثم بعد ذلك سنعمل على تناول إستراتيجية المغرب في التنمية البشرية من خلال المبادرة الملكية مستعينين في ذلك بأرضية إعداد برامج العمل الصادرة من وزارة الداخلية في غشت 2005، ثم نمر إلى دراسة ومناقشة دور الجمعيات في التنمية البشرية من خلال دراسة واقع وأفاق العمل الجمعوي ، ودراسة قدرة الجمعيات على المساهمة في التنمية البشرية من خلال نماذج مشاريع تنموية ، وقد الإطلاع أكثر على مدى قدرة الجمعيات على ذلك ، سنأخذ نموذج جمعية ونتعرف عليها وعلى عملها الجمعوي بعد ذلك ندرس واقعها وإمكاناتها ، وندرس مساهمتها في التنمية البشرية ، لنخرج في الأخير باستنتاجات وخلاصات تؤطر لحل الإشكالية المركزية العامة، هذه النقاط سنتناولها بالبث والدراسة من خلال خطة البحث التالية:         
الفصل التمهيدي: جمعيات المجتمع المدني.
        المبحث الأول: مفهوم المجتمع المدني ومقوماته.
                المطلب الأول: مفهوم المجتمع المدني.
                المطلب الثاني: مقومات مفهوم المجتمع المدني.
        المبحث الثاني: الجمعيات كإحدى مكونات المجتمع المدني.
                المطلب الأول : التعريف القانوني والسوسيولوجي للجمعيات.
                المطلب الثاني: نشأة العمل الجمعوي بالمغرب.
الفصل الأول: التنمية البشرية.
        المبحث الأول: حفريات في مفهوم التنمية البشرية.
                المطلب الأول: مفهوم التنمية البشرية بين النشأة و التطور.
                المطلب الثاني : محددات التنمية البشرية. 
        المبحث الثاني: المداخل الأساسية للتنمية البشرية.
                المطلب الأول : التنمية البشرية بين التطلعات و التناقضات.
                المطلب الثاني : إستراتيجية المغرب في التنمية البشرية.
الفصل الثاني: دور الجمعيات في التنمية البشرية- جمعية الرسالة للتربية والتخييم - أنموذجا.
        المبحث الأول : التنمية البشرية وواقع العمل الجمعوي.
                المطلب الأول: مشاركة الجمعيات في التنمية البشرية بين الممكن والصعب.
               المطلب الثاني: الجمعيات ورهان المشاريع.
        المبحث الثاني : دور جمعية الرسالة للتربية والتخييم – جهة الشاوية - في التنمية البشرية .
                المطلب الأول : هوية الجمعية الرسالة للتربية والتخييم.
                المطلب الثاني: واقع وآفاق مساهمة الجمعية في التنمية البشرية.
 
 
 
 
 
 
 
الفصل التمهيدي: جمعيات المجتمع المدني.
إن مفهوم المجتمع المدني ليس مفهوما حديثا تمت بلورته في الكتابات السياسة المعاصرة, بل هو مفهوم قديم فمن الناحية التاريخية ورد في أدبيات قديمة وكان حامل لمعاني مغايرة ولعل أول من تطرق إليه هو الفيلسوف أرسطو الذي أشار في كتابته إلى الجماعة السياسية Koinonie politique(. (1
 أما في الأدبيات السياسية للقرون الوسطى، فنجد أن بوسوير يعتبر أن المجتمع المدني يضم أناسا يخضعون لنفس القوانين ولنفس الحكومة, لكن هذا المفهوم تمم بطريقة نهاية القرن 18، خلال ظرفية سياسية تميزت بالثورات الديمقراطية في كل من انجلترا والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا2, فهذا المفهوم ارتبط بالتطور الذي شهده المجتمع الأوربي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وهو التطور الذي شمل ميادين التجارة والصناعة والعلم وبالتالي للاجتماع والسياسة((2.
        وقد كان إحيائه بالمغرب يبرز مجموعة من الحدود في وجود سيطرة الدولة وفد تدخل أجهزتها الإدارية والأمنية وسلطاتها الممتدة في مجال الإعلام(3), وبقصد الإلمام بمفهوم المجتمع المدني ومجمل مكوناته خاصة الجمعيات يتعين علنيا رصد المفهوم في مبحث أول بينما تخصص المبحث الثاني لدراسة الجمعيات كأحد مكونات المجتمع المدني .
المبحث الأول: مفهوم المجتمع المدني ومقوماته.
        يقتضي الوقوف على مفهوم المجتمع المدني التدبر في أدبيات الكتابات التي اهتمت بهذا المكون الذي لايمكن تجاهل تواجده بشكل من الأشكال, تم المقومات الواجب توفرها فيه, هذا ما سنركز عليه في هذا المبحث من خلا ل تحديد المفهوم)المطلب الأول(, والبحث عن ركائزه ومقوماته )المطلب الثاني(.
المطلب الأول: مفهوم المجتمع المدني.
        هناك من يرى أن المجتمع المدني هو جملة من المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية4 التي تعمل في ميادينها المختلفة في استقلال نسبي من المجتمع السياسي لتحقيق أغراض متعددة, منها أغراض سياسية كالمشاركة في صنع القرار على المستوى الوطني، وهنا كذلك الأحزاب السياسية, ومنها أغراض نقابية كالدفاع عن مصالح الاقتصادية لأعضاء النقابة والارتقاء بمستوى المعيشة, ومنها أغراض ثقافية كالجمعيات الثقافية التي تهدف إلى نشر الوعي الثقافي وفق اتجاهات كل جمعية، ومنها أغراض اجتماعية كالمساهمة في العمل الاجتماعي لتحقيق التنمية، وكتعريف موجز فالمجتمع المدني هو مجموع المؤسسات والمنظمات التي تتيح للأفراد التمكن من الخيرات المادية والرمزية بمعزل عن الدولة والحكومة.
        وإذا بحثنا في مفهوم المجتمع المدني انطلاقا من كتابات رواد العقد الاجتماعي فان مفهومه يرادف
 
 
1- لمعجم الدستوري ترجمة: منصور القاضي /  المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع  / ببروت /  الطبعة I 1996 / ص 960 .
    2 - Abdelkader zghal « le concept de société aivile et la transation,vers le multipartisme » in changement.
 .80 ص 2005 مايو 39 - محمد ماجد الجابري المجتمع المدني بين المدني والمفهوم مجلة مواقف عدد 3
4- عبد اللطيف أكنوش / الديموقراطية والدمقرطة والانتقال الديمقراي بعيد عن لغز الانفعال من يتكفل بانجاز المرحلة / جريدة المستقل / عدد 347 / من السبت 30 دجنبر الى الجمعة 5 يناير 2001 .
المجتمع السياسي، المؤسس بناءا على التعاقد الاجتماعي، حيث يؤكد جون لوك "حينما يؤلف عدد من الناس جماعة واحدة ويتخلى كل منهم عن سلطة تنفيذ النشر الطبيعية التي يتنازل عنها للمجتمع ينشأ عندنا حين داك فقط مجتمع سياسي أو مدني"(1) ، أما جان جاك روسو فيرى بان المجتمع المدني يتموضع في مرحلة وسط بين الحالة الطبيعية والحالة المدنية المرتبطة بقيام الدولة مبنية على أساس العقد الاجتماعي(2).
في حين يرى هوبس أن المجتمع المدني هو المجتمع السياسي المنظم في الدولة والذي ظهر نتيجة إبرام العقد الاجتماعي، قصد الانتقال من حالة فوضى التي تسودها شريعة الغاب إلى حالة الأمن والسلام التي تمتاز بشيوع الأمن في المجتمع وتحقيق الطمأنينة في النفوس.
        أما هيجل فقد انتقد مفهوم التعاقد الاجتماعي للمجتمع المدني لأنه يشكل فكرة مثالية لمفهوم، واعتبر أن المجتمع المدني في صبغته التعاقدية قاصر على تحقيق الأمن وعلى حماية للمصالح الخاصة فضلا عن المصالح العامة للدولة ولعل السبب كما يرى إلى ما تتميز به مكونات المجتمع المدني من تناقض في المصالح وبالتالي يبقى اقرب إلى حقل الصراع والاضطراب.ومع بروز النظرية الماركسية سيخضع مفهوم المجتمع المدني إلى مسار فكري جديد حيث اعتبر المجتمع المدني هو مجموع المصالح الاقتصادية والسياسية للطبقة البرجوازية وبالتالي فمفهوم المجتمع المدني عند ماركس هو فضاء أو بال للصراع الطبقي بقطبية البرجوازية والبلوريتاريا ذلك باعتبار أن مفهوم صراع الطبقات كقوة محركة للتاريخ.
        ومجمل القول أن مفهوم المجتمع المدني يبقى من المفاهيم المطاطية المتأثرة بالتطورات والحراك السياسي والحقوقي, و الجمعوية  الذي يشهده المجتمع.
المطلب الثاني: مقومات مفهوم المجتمع المدني.
        إذا كان من الطبيعي أن يختلف الباحثون حول مقاربة " مفهوم المجتمع المدني" إلا أن هناك عددا من المقومات تفترض لقيام مجتمع مدني وبالتالي ضرورة توفير حد أدنى من الاستقلالية اتجاه المجتمع السياسي مع تمكين المجتمع المدني من خلق مؤسسات غير حكومية قادرة على تعبئة المواطنين والقيام بدور السلطة المضادة للسلطة السياسية كما يفترض في بناء المجتمع مدني قوي جعل السيادة ملك الشعب وبسط القانون على الجميع، وجعل الفرد أساس أي تقدم حضاري أو مجتمعي"لقد أعلت هذه الإيديولوجية من قيمة الفرد وقيمة المبادرة الشخصية والتنافس الحر فألجمت السلطة الكثير"(3) بحيث أصبحت أمام مجتمع المواطنة الذي يتساوى فيها الحقوق والواجبات، ويسري غير القانون على الفقير والغني والكافر والمؤمن … أي بعبارة أدق أمام الدولة الحق والقانون، دولة المؤسسات والتعددية في المجال الحزبي والنقابي والإعلامي والعمل الجمعوي.
        إذن هذه بعض المقومات التي يجب توافرها لقيام مجتمع مدني حقيقي وبالتالي تواجد مكونات مجتمع مدني قوية, ومن أهم هذه المكونات نجد الجمعيات, فما هو إذن هذا المكون؟
 
 
 
1- جون لوك / في الخبر المدني / ترجمة ماجد فخر/ اللجنة الدولية لترجمة الروائع / بيروت / 1959/ ص 189.
2- توفيق الديني / المجتمع المدني للدولة والسياسة في الوحة العربي/ اتحاد كتاب العرب / دمشق /1997 /  ص 58 .
3- أحمد السلطاني / نحو التخفيض للحضور الكثيف للدولة / مجلة أفاق / ص 173.
المبحث الثاني: الجمعيات كإحدى مكونات المجتمع المدني.
        تعتبر الجمعيات أحد أبرز المكونات الفاعلة في المجتمع المدني لأنها تشكل النمودج الأساسي للمجتمع المدني, مثلما تعتبر إطارا تنظيما لتأطير المواطنين وتوعيتهم, قصد الاندماج والمشاركة في تفعيل العمل الطوعي للمجتمع المدني من أجل المساهمة في التنمية البشرية.
         وللإحاطة بهذا المكون لا باس بان نحدد مفهوم الجمعية, المطلب الأول على أساس أن تتحدث في المطلب ثاني عن نشأة العمل الجمعوي بالمغرب.
المطلب الأول : التعريف القانوني والسوسيولوجي للجمعيات.
        * التعريف القانوني للجمعية: حسب الفصل الأول من قانون الجمعيات(1) " الجمعية هي اتفاق لتحقيق تعاون مستمر بين شخصين أو عدة أشخاص لاستخدام معلوماتهم أو نشاطهم لغاية غير توزيع الأرباح فيما بينهم ", إذن الجمعية حسب هذا الفصل كل شخصين أو اكتر اجتمعوا للتعاون في ما بينهم دون أن يهدفوا لتوزيع الأرباح العائدة من وراء ذلك التعاون.
        * التعريف السوسيولوجي للجمعية: تعتبر الجمعية مجموعة من الأفراد المنظمين إراديا بحيث يسعون إلى القيام بعمل جماعي ومستمر, بهدف التعبير عن أفكارهم و أطروحاتهم, للمساهمة في تطوير المجتمع الذي يعيشون فيه, وهذا الطابع العمومي لهذا التعريف يتحكم كل من النقابة، الحزب، الشركة، فالنقابة مسيرة قانونيا بنصوص خاصة ومع ذلك نجد صعوبة في تمييزها عن الجمعية إذا ما نحن أخدنا بهذا التعريف، نفس الإشكال يطرح حينما نحاول وضع مقارنة بين الجمعية والحزب السياسي, والشركة أيضا تلتقي في هذا التعريف مع الجمعيات, لكن إدا استعنا بالتعريف القانوني سيتضح الفرق جليا فالنقابة معنية بالدفاع فقط عن منخرطيها في القطاع الذي تنتمي إليه فقط ومنخرطيها لابد من أن تجمعهم نفس المهنة, أما الحزب فأهم ما يميز بينهما هو هدف كل واحد منهم فالجمعية لاتهدف للوصول إلى السلطة بينما الحزب فتتجلى ماهية وجوده في الوصول للسلطة.
المطلب الثاني: نشأة العمل الجمعوي بالمغرب.
        كي ندرس نشأت العمل الجمعوي لابد أن نجيب عن السؤال التالي لمذا يلجأ الناس للتكثل في إطا الجمعيات؟ يجيبنا جون جاك شوفالييه على هذا السؤال قائلا " أن أزمة الوساطة السياسية والاجتماعية التقليدية شجعت سلبيا المد الجمعوي على تعويض الفراغ الناتج عن الإفلاس الأمني للمؤسسات الوسطية ".
لكن يمكن أن يؤول تناسل هذه الظاهرة كرد فعل ضد تدهور إطار الجماعة le cadre de vie  أو    إدارة لا تنتج بالحوار أو سبب اندثار علاقات التضامن            دهب fronçons débet الماكوت أن عجز الطبقة العاملة على الدفاع عن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية هو الذي أدى لظهور هذا التنظيم كوسيلة نضالية تسعى لتغير الأوضاع القائمة, ومن تم أضحت عملية التعبئة الاجتماعية يقوم بها فاعلين الجمعويين كالحركة النسائية, الحركة الطلابية, أنصار البيئة حركات السلام. غير أن هذه الحركة لم تهتم بقضايا الإنتاج والاقتصاد بل انحصر دورها ونشاطها في فضاء الثقافة، والقضايا الاجتماعية, إلا انه في الآونة الأخيرة أصبح النسيج الجمعوي يلعب دورا فاعلا في التنمية السياسية والثقافية والاقتصادية وحتى الاجتماعية, بحيث أصبح لها الحق في التقدم بمشاريع تنموية والمطالبة بدعم هذه المشاريع .
        بعد هذا الفرش النظري لمفهومي المجتمع المدني, وأنموذج الدراسة الذي هو الجمعيات, والتي هي أيضا أهم مكونات المجتمع المدني, سنعمل مباشرة على معالجة الإشكالية التي يطرحها موضوع البحت والتي سبق أن ناقشناها ووضحنا ها في المقدمة, أول خطوة لمعالجة الإشكالية ستبدأ من خلال الفصل الأول الذي سنعمل من خلاله على مناقشة التنمية البشرية, وكل ما يتعلق بها وما تطرحه من إشكالات معرفية.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
الفصل الأول: التنمية البشرية.
        تعتبر التنمية البشرية من أخر ما أنتجه العقل البشري في العقدين الأخيرين بالشكل المتداول حاليا, إلا أننا نلاحظ أن التنمية البشرية كمطمح ومطلب أصبح يستحوذ على جانب كبير من الاهتمام ضمن القضايا الوطنية والدولية على حد سواء, وكل طرف يتحدث عنها بشكل ليس بالضرورة متوافق مع الآخرين, بحت كل يصفها ويوظفها انطلاقا مما يعتقده صحيحا, ويوافق مرجعيته, ويخدم مصالحه توجهاته.
        هذا من الناحية الفكرية التي تؤطر المفهوم, أما إذا تحدتنا عنها من الناحية التقنية فإن الغالبية تتحدث عن المتطلبات, والمرتكزات, والمؤشرات التي تعتمد علها عملية التنمية البشرية, هذه النقاط ستكون موضوع البحت خلال هذا الفصل, من خلا مبحثين أول يهم جذور التنمية البشرية, و ثاني يهم المداخل الأساسية لها.
المبحث الأول: حفريات في مفهوم التنمية البشرية.
لابد أن التنمية البشرية كمفهوم نظري يطرح العديد من الإشكالات المفاهيمية التي تهم جانب النشأة و ما يتعلق بظهوره، حيث إشاعة حداثة ظهوره، و كذلك تطوره الزمني حيث يختلف الباحثون في تحديد العوامل المساهمة في ذلك، و إذا ما انتقلنا إلى النقطة المتعلقة بالخلفيات و المنطلقات المحددة للمفهوم نجدها تعج بالإشكالات و التناقضات خاصة بين ما هو خاص و ما هو عام، أما الجانب المتعلق بالمحددات فإن كان لا يثير بعض التناقضات فإنه يثير بعض الاختلافات و خاصة في الجانب المتعلق بالمؤشرات المعتمدة لتحديد مستويات الدول في التنمية البشرية، هذه النقاط سنتناولها من خلال هذا البحث و ذلك بالإجابة على التساؤلين التاليين : كيف نشأ المفهوم و كيف عرف التطور بين الخصوصية و العالمية ؟ و ما هي محدداتها ؟.
المطلب الأول: مفهوم التنمية البشرية بين النشأة و التطور.
بدراسة أي موضوع لابد أن ينطلق الباحث أولا من تحديد المفهوم و المضمون و ذلك حتى يتسنى مناقشته و إبداء الرأي بخصوصه. لكن قبل ذلك يجب رصد المفهوم، سواء من جهة ظهوره أو من جهة التطور الذي عرفه، و مفهوم التنمية البشرية لا يخرج على هذا النطاق، إذ سنعمل أول الأمر على رصده من حيث التاريخ، ثم بعد ذلك سنعمل على تحديد المفهوم، و تسليط الضوء على التطور الذي لحق به، لكي نمهد للدخول في نقاط أخرى تتعلق بخصوصية و عالمية هذا المفهوم بعد رصده و رصد امتداده الزمني.
الفرع الأول : المقاربة التاريخية و المفاهيمية للتنمية البشرية.
بعد إصدار البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة تقريره المتعلق بالتنمية البشرية لعام 2004 و تسجيل تراجع المغرب في الترتيب المعتمد على ما يحققه كل بلد في هذا المجال ، ثم الخطاب الملكي بتاريخ 18 ماي 2005 ، و ما واكبه من تغطية إعلامية ، خاصة على مستوى الصحف الوطنية، جعلت العديد من الناس يتحدثون حول التنمية البشرية و كأن هذا المفهوم يظهر لأول مرة، و اعتقد أن القيام بحفريات عبر التاريخ لهذا المفهوم سيجلي هذا الالتباس و يسهل عملية تحديد المفهوم فيما بعد.
الفقرة الأولى:الإطار التاريخي لمفهوم التنمية البشرية.
إن التنمية بشكل عام كانت ضالة الإنسان منذ أن خلق إلى يومنا هذا، و بمختلف الأشكال و الأساليب و التسميات التي كان يطلقها عليها، و بمختلف الأولويات التي كان يرتبها لها، فالرجوع إلى كتب التاريخ و الجغرافيا يكشف لنا أن الإنسان الأول كان دائم البحث على التنمية و إن كان يسميها شيئا آخر، أو كان يحدد لها هدف أو أهداف تختلف كما تعرفه اليوم ، فأدم عليه السلام بعد إنزاله إلى الأرض و اكتشافه لنفسه أنه لم يكن كاسيا، أخذ يخسف على نفسه بورق التوت، أليس هذا عملا تنمويا في حقيقته ألم يكن يهدف إلى الانتقال بالإنسان من حالة إلى أخرى أفضل و يتميز بها عن باقي الكائنات الأحرى، إن فكرة التنمية كانت حاضرة منذ أول إنسان خلقه الله تعالى، بشكل أو بآخر .
و بمرور التاريخ نجد الإنسان في تعامله مع بيئته الطبيعية و محيطه الجغرافي و ما تكنزه من ثروات ظاهرة و باطنة كان محركه الأساسي هو كيف يستفيد منها و ينتفع بها و قبل ذلك كيف يحصل عليها، و الهدف طبعا هو تحسين أسلوب حياته و تطوير مستوى معيشته، مرة بشكل واعي و مدبر، و أخرى بشكل عفوي و مقدر، و لذلك الغرض – الحصول و الاستفادة من خيرات الطبيعة- نجده يطور آلياته و معداته للزيادة من المنفعة و تلبية الرغبة و الحاجة حتى وجد البشر أنفسهم في حاجة دائمة و مستمرة لما تجود و ما لا تجود به الطبيعة، و ظل في هذه العلاقة الجدلية؛ تطوير الآليات و الأساليب، زيادة الرغبات و الحاجيات حتى و صلنا إلى حالة أصبح فيها الفرق شاسعا بين من يملك القدرات و الآليات و الموارد و بين من يمتلك شيئا منها أو لا يمتلك أي شيء، و بدا التمييز واضحا بشكل فاضح.
و بالرجوع إلى الحضارة الإسلامية نجد الحضور القوي للفكر التنموي في دواليب السياسة و مخططات الإدارة, حيث نزل معدل الفقر إلى 0% زمن الخليفة عمر بن عد العزيز رضي الله عنه، فكان يؤتى بالمال من بيت مال المسلمين و يطاف به في الأسواق للبحث عن المحتاجين فلا يجدون محتاجا يأخذ حاجته منه، و عمت الحرية و العدل و عاش المواطن في كرامة على كافة المستويات و كان النظام السياسي نظاما ديمقراطيا نعم كان ديمقراطيا ليس على النمط الغربي و إنما على النمط الإسلامي الذي يجعل من العدل أساس الحكم .
هذا كان في زمن كانت الحياة فيه في مجملها بسيطة و متطلباتها محدودة و تكاليفها في معظم الأحيان مقدور عليها، لننتقل إذن عبر مرحلة زمنية سرعتها أربعة عشر قرنا من الزمن لنصل بالتحديد إلى القرن العشرين و ما عرفه من تحولات جذرية و انشطارات عالمية التي كان سببها الأساسي السياسيات الغربية الاستعمارية (1), و ما نتج عنها من تخلف و فقر و حروب حيث سنشهد تحولا في مفهوم التنمية أيضا، ففي العقود الأولى من القرن الماضي كان الاقتصاديون و السياسيون و مخططو التنمية يربطونها بالاقتصاد و تمثل قدرة الاقتصاد القومي على توليد و استدامة الزيادة السنوية في الناتج القومي الإجمالي بنسب تتراوح ما بين %5 و%8 أو أكثر و يأخذونه بمعدل نصيب الفرد من الدخل أو الناتج المحلي الإجمالي ، إضافة إلى قدرة الدولة على توسيع إنتاجها بمعدلات أسرع من معدل نمو السكان كمؤشر على التنمية، و هذه العملية تنطوي على تغيير مخطط لبنية الإنتاج و العمالة، تنخفض معه مساهمة الزراعة كقطاع تقليدي، بينما تزداد فيه مساهمة الصناعة و قطاع الخدمات، و بالتالي بدرجة ثانوية لتوظيف عائدات التنمية الاقتصادية كمعدل تعليم الكبار و تحسين الخدمات الصحية و الإسكان.
 
 
-1 روجيه كاودي/ كيف نضع المستقبل / ترجمة منى طلبة و أنور مغيث / دار الشروق / القاهرة / ط II / 2001 م / ص 55.
 و خلال عقود الخمسينات و الستينات و حتى بداية السبعينات انغمرت معظم دول الجنوب و معها المغرب في تطبيق هذا المفهوم، و استطاعت بعضها أن تحقق بعض النمو الاقتصادي الكمي، و لكن ظلت هناك فروق كبيرة بين السكان في مستويات المعيشة من ناحية و توفير الحاجيات الضرورية من ناحية أخرى، و عكست الأرقام في العديد من الدول النامية خاصة في إفريقيا و أمريكا الجنوبية، و آسيا الوسطى تدهورا في مستويات الصحة العامة ، و درجة التعلم ، و العمر المتوقع عند الولادة للأفراد، مما أثر سلبا على إنتاجية القوى العاملة ، إضافة إلى النقص المتزايد في مستوى الإشباع من السلع و الخدمات الضروري(1)، هذا العجزالحاصل في التنموي و تطبيقاته المحدودة و نتائجه العكسية ، ستجعل العديد من المفكرين الاقتصاديين و السياسيين ينتقدون التفسير و المفهوم التقليدي للتنمية و ينادون بعدم كفاية المقارنة الإجمالية لنصيب الفرد من الدخل القومي أو الناتج المحلي لتحديد وجود أو عدم وجود الحالة التي ينعت إليها بالتنمية .
أما فترة السبعينات و الثمانينات حيث سيشهد العالم العديد من المشاكل الاقتصادية و السياسية ، أدت إلى بروز مشاكل حديثة ستفرض نفسها على طاولة السياسة ، و الاقتصاد على حد سواء ، ستجعل الباحثين إلى إعادة النظر في نظريات التنمية التي كانت قائمة و مؤسسة لمفهومها في العالم (2)، و هكذا سيتم العمل على محاولة إعادة إنتاج مفهوم جديد للتنمية، على أساس الجهود المبذولة لتخفيف الفقر، و تحقيق العدالة و توفير فرص الشغل و تقليص البطالة، و إعادة التوزيع العادل للثروات، و لقد حاول البروفسور" دودلى سيزر" أن يضع سؤال مهما حول معنى التنمية بقوله" السؤال الذي يجب توجيهه على تنمية أي بلد هو ماذا حدث بالنسبة للفقر و البطالة و عدم عدالة الأجور " (2)، حتى البنك الدولي الذي كان يساند النمو الاقتصادي الكمي منذ الثمانينات كهدف رئيس للتنمية الاقتصادية يعلن في تقريره لعام 1991م " أن التحدي أمام التنمية هو تحسين نوعية الحياة، خاصة في عالم الدول الفقيرة، إن أفضل نوعية للحياة هي التي تتطلب دخولا عالية، و لكنها في نفس الوقت تتضمن أكثر من ذلك ، تتضمن تعليما جيدا ، و مستويات عالية من التغذية و الصحة العامة ، و فقرا أقل، و بيئة نظيفة، و عدالة في الفرص، و حرية أكثر للأفراد، و حياة ثقافية غنية .
و قد فرض مصطلح التنمية البشرية بالشكل الحالي نفسه في الخطاب السياسي و الاقتصادي على المستوى الدولي في مطلع العقد التاسع من القرن الماضي حيث لعب البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة (PNUD) و تقاريره السنوية، دورا بارزا في ترسيخ هذا المفهوم و تنوعت قضايا التقارير الأممية السنوية كالتالي :
-1990 : مفهوم و قياس التنمية البشرية.
-1991 : تمويل التنمية البشرية.
-1992 : الأبعاد العالمية للتنمية البشرية.
-1993 : المشاركة الشعبية .
1- محمد نجيب بوليفا / العالم العربي بين تحديات العولمة و متطلبات التنية البشرية / طوب بريس / الرباط / ط I / 2003 م / ص 143.
2- حبيب معلوف شبكة المنظمات العربية الغير حكومية للتنمية /الندوة الإقليمة حول التنمية المستدامة الرباط 2002 . بموضوع " قراءة نقدية في مفهوم و مؤثرات التنمية البشرية المستدامة لبنان نموذجا " ص 3.
3- لمعرفة المزيد عن مؤشر الفقر في التنمية البشرية : راجع محمد نجيب بوليف/ مرجع سابق ص 99.
 
-1994 : الأبعاد الجديدة للأمن البشري.
-1995 : أنواع الجنس و التنمية البشرية.
-1996 : النمو الاقتصادي و التنمية البشرية.
-1997 : التنمية البشرية للقضاء على الفقر.
-1998 : الاستهلاك من أجل التنمية البشرية.
-1999 : العولمة ذات التوجه الإنساني .
-2000: حقوق الإنسان و التنمية البشرية.
-2001 : توظيف التقنية لخدمة التنمية البشرية.
-2005 : التعاون الدولي على مفترق الطرق, المعونة والتجارة في عالم غير متساو.
 
هذا و تكتسب هذه التقارير التي صدرت للسنة الخامسة عشر على التوالي أهمية كبيرة سواء من حيث الكثافة المعلوماتية التي يوفرها ، عن بلدان العالم الواردة في الدليل ، من خلال شبكة واسعة من الباحثين و الخبراء و الفنيين ، فالبرنامج (PNUD) يحتوي على خارطة مشكلة من 123 مكتبا قطريا ، و البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة يتناول 174 بلدا أو إقليما و يركز 90% من البرامج الأساسية على 66 بلدا يعيش فيه حوالي 90% من أشد سكان الأرض فقرا و يمول البرنامج مشاريع في إفريقيا و آسيا و المحيط الهادي و أمريكا الجنوبية و منطقة الكاريبي و أوروبا ، و يعتبر أكبر مقدم للمساعدات الإنمائية على سبيل الهبة ، و ذلك من خلال إدارته لموارد مالية تصل قيمتها حوالي 2,3 مليار دولار سنويا (1) ، و قد تم إسقاط 12 دولة من بينها العراق و جيبوتي ، أما الدول العشرة الباقية التي أسقطت ، جميعها كانت تتمتع بتنمية بشرية متوسطة ، ويقول المسؤولين عن البرنامج الإنمائي، إن سبب إسقاط هذه الدول من تقرير التنمية البشرية لعام 2001، إنما يعود لغياب المعلومات اللازمة عن هذه الدول . و من ناحية أخرى يكتسب هذا التقرير أهمية كبيرة من حيث التوظيف السياسي ، حيث يتم استغلاله و توظيفه من قبل الدول الإمبريالية المستغلة للأوضاع العالمية من أجل الضغط على الدول الضعيفة و التي غالبا ما تحتل رتبا متأخرة ، فيتم استغلال نقط الضعف و الثغرات التي تعرفها على العديد من المستويات ، حتى تنتزع منها المزيد من التنازلات و المزيد الامتيازات سواء على المستوى الاقتصادي ، أو على المستوى السياسي و ذلك للمزيد من السيطرة, وبسط النفوذ.
يمكن القول إذن أن التنمية سواء كغاية أو وسيلة لتحسين ظروف حياة الإنسان ، كانت حاضرة منذ القدم و إن كان و كما سبقت الإشارة إليه تلبس لباسا غير لباسها اليوم ، و تنعت باسم يقال عنه حديث النشأة ، مع التأكيد على أن التنمية كمفهوم متطور و معقد ستظهر له إرهاصات أولية مع بداية القرن العشرين و ما ساد خلاله من
 
 
 
-1 موقع إسلام أون لاين على الانترنيت بتاريخ 11/11/2005 م.
أحداث سياسية و اقتصادية و اجتماعية و ثقافية ساخنة لعبت دورا هاما في تطوير مفهوم التنمية ، حيث أصبح يحمل اسمه الحالي "التنمية البشرية" و يقصد به المضمون التالي : " توسيع خيارات الناس " ، إذن رصدنا للإطار التاريخي و المنحى الزمني لمفهوم التنمية البشرية ، لابد أن ننتقل إلى الاستفسار عن الإطار النظري و المفاهيمي لهذا المصطلح ؟ و هل عرف هذا المفهوم تطورا في بنائه النظري, بعد أن عرفه في بنائه الزمني؟ ثم هل يثير بعض الإشكالات المعرفية ؟ أم أنه مفهوم جامد في بنائه النظري ؟ و محل اتفاق معرفي ؟ هذه الأسئلة ستكون هيكلا لموضوع الفقرة الثانية من هذا الفرع .
الفقرة الثانية: مفهوم التنمية البشرية.
التنمية لغة هي: " النماء "، أي الزيادة التدريجية، يقال نما المال نموا، أي تـراكم وكثر و ازداد (1). و يستخدم بمعنى الزيادة في المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و غيرها من المسـتويات. و نسجل اختلافا بين مفهوم النمو "Croissant" و مفهوم التنمية "Developpement" ، فالنمو يشير إلى التقدم التلقائي ، أو الطبيعي العفوي دون تدخل معتمد من قبل المجتمع أو هياكله المتخصصة أما عملية التنمية فهي تلك الخطط المدروسة و المحكمة في إطار زمني محدد, و أهداف واضحة قابلة للقياس, تخضع للتقييم والتقويم،  وولها صفة الواقعية (SMRT) (2) لإحداث التقدم و النمو بصورة سريعة، و يأتي النمو من خلال تطور تدريجي يتسم بالبطيء، بينما تحتاج التنمية إلى قوة دافعة تحرك قدرات البشر الخبيرة ، التي تعمل على إخراج الناس  من حالة الجمود والتردي لا إلى حالة الحركة و التقدم، كذلك يوجد تباين في المفهوم بين التغيير"Changement " و التنمية "Developpement" فالأولى و إن كانت الانتقال من وضع إلى آخر، والتغيير في الوضع القائم و استبدال ما هو موجود بشيء آخر، فإنه لا يعني بالضرورة إلى الأفضل والأحسن فقد يكون التغيير للأسوأ و استبدال السيئ بالأسوأ، بينما غرض التنمية وهو التغيير و التبديل نحو الأفضل بخطوات مستقيمة صاعدة إلى الأمام بشكل أحسن مما كان (3) ، فالتنمية هي ذلك النمو أو الزيادة المضبوطة على أسس علمية ، ثم قياس أبعادها الثلاثة الإنسان ، المكان،  ثم الزمان، فإذا تم إغفال بعد من هذه الأبعاد ستصبح الصورة غير جميلة.
التنمية البشرية هي عملية مقصودة وفق سياسات الدولة بغية إحداث تطور و تقدم على عدة مستويات سواء اقتصادية ، سياسية و حتى الاجتماعية و الثقافية و البيئية من أجل البشر سواء حدث ذلك في مجتمع محلي أو إقليمي أو حتى الوطني و ذلك بالارتكاز على المجهودات الرسمية للدولة و كذلك الاستناد على الفاعل الأساسي في المجتمع ألا و هو المجتمع المدني و خاصة مكون الجمعيات كل في نسق منسجم ، على أن يكتسب كل واحد منهما على القدرة على مجابهة التحولات و المشاكل التي قد تنجم عن هذه العملية (4) ؛ إنها ذلك التحريك العلمي المدروس وفق خطة معينة لكافة الوسائل و الآليات البشرية و المادية و اللوجيستيية للقيام بعمليات على كافة المستويات و جميع الأبعاد ، و من خلال إيديولوجية محددة لتحقيق التغيير المأمول من أجل
 
 
-1 المعجم العربي.
2- S: STRUCTE / M: MUSIRABLE / R: Ruelle / T: TEMPORAIRE.
3- إبراهيم العسل / التنمية في الإسلام مفاهيم مناهج و تطبيقات / المؤسسة الجامعة للدراسات و النشر و التوزيع / بيروت / ط I / 1996 / ص 59.
-4 عبد المنعم شوقي / تنمية المجتمع و تنظيمه / مكتبة القاهرة الحديثة / القاهرة / ط II / س 1991 / ص 43.
الانتقال في إطار الممكن من اللامرغوب إلى المرغوب فيه ؛ أي من الأسوأ إلى الأقل سوءا، أو من الحسن إلى الأحسن؛ إذن يمكن القول أن التنمية البشرية في كنهها هي عملية نابعة من المجتمع مرماها التغير الشامل في مجتمع معين من خلال طفرة في مختلف هياكله، و من تم فهي تسعى إلى حكمة المجتمع و بعث الروح الإيجابية فيه و تأهيله للقبول بالتغير و تكاليفه و أعبائه و أن ينخرط فيه نحو الأفضل و الجيد ، و بذلك فهي خطاب يقتضي معرفة شيء عن كل شيء و معرفة كل شيء عن شيء يتم توجيهه إلى المجتمع لإقناعه ثم تحويل تلك القناعات إلى مفاهيم و مدركات ثم إلى فعل إيجابي و أنشطة هادفة على أرض الواقع ، و إذا كان الأمر على هذا المنوال ، فلابد أن يكون ذلك الخطاب الثقافي للتنمية البشرية الذي يستدعي معرفة شيء عن جميع المجالات و معرفة كل شيء عن أحد المجالات فلابد أن يتسم هذا الخطاب بالبساطة و الواقعية حتى يكون مفهوما ، مفكوك الرموز واضع الاستنباطات ، نابعا من الثقافة السائدة داخل المجتمع حتى يتمكن هذا المجتمع من التعاطي معه بالفهم و التقدير ثم الاقتناع و التفاعل، فالتطبيق و الممارسة؛ أي أن ينتقل من مجرد خطاب نظري إلى واقعة مادية ، يجسدها العقل التنموي البشري ، أو بتعبير آخر أن يتمكن ذلك الخطاب التنموي من المرور بسلاسة و فعالية من خلال الوسيط البشري عبر الوعي الإيجابي و المدركات الاجتماعية الفاعلة التي تتحول إلى ظواهر اجتماعية بعد أن كانت مجرد سلوكيات فردية ، و في هذه الحالة يمكننا الحديث عن عملية تنموية حقيقية قادرة على الاستمرار و التطور وسيلتها الإنسان و هدفها الإنسان ذاته و في نفس الوقت يمكنها أن تحافظ على عوامل الدفع و التدافع من خلال تفعيل طاقته و إطلاق العنان لخبراته و ذخائر ثروته الإنسانية(1).
لننتقل إلى نوع آخر من التعريفات للتنمية البشرية و التي جعلت نقطة انطلاق تقارير البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة ، و الذي سبق أن أشرنا إليه أنه يصدر للسنة الخامسة عشرة على التوالي ، و أصبحت هذا التعريف هي الأكثر تداولا على الصعيد العالمي فهي عملية حضارية يساهم فيها مختلف مكونات المجتمع ، بانتظام و ثبات لاستمرار الموارد و القدرات الذاتية و استخدامها بشكل أفضل بغية الخروج من شراك التبعية السياسية و الاقتصادية و تأمين حياة أحسن لجميع مكونات المجتمع، و هذا التعريف يعتبر التنمية البشرية عملية حضارية يساهم فيها المجتمع بكل أطيافه الاجتماعية ، و ذلك لإبراز اختلافها البين عن " النمو" و سبق أن أشرنا لذلك ، الذي يمكن اعتباره إلى جانب ما سبق جزءا من عدة أجزاء مكونة لعملية التنمية البشرية ، و أيضا لتميزها عن بعض التعريف السابقة ((2 ، إذن يقوم مفهوم التنمية البشرية على أن البشر هم الثروة الحقيقي للأمم ، فهي لا تقف عند حد تأهيل الكفاءات البشرية و تحسين ظروف العيش و مستواه من صحو و تعليم و خدمات اجتماعية أخرى ، بل هي أبعد منذ ذلك حيث تمتد إلى الانتفاع بها سواء من خلال التمتع بتقدير الذات و احترام الآخرين ، و ضمان حقوق الأفراد ، و كذا المساهمة الفاعلة في الحياة العامة سواء على المجال الاقتصادي ، أو السياسي ، أو الثقافي و حتى الاجتماعي ؟ن و لذلك يعتبر الباحثون في التنمية أن التنمية البشرية توجه إنساني
للتنمية المتكاملة و ليس مجرد تطوير موارد بشرية ، و بالتالي جاء المفهوم على النحو السابق أكثر شمولا و
-1 محمد نصر عارف / التنمية من منظور متجدد – التحيز- العولمة – ما بعد الحداثة / مطابع الأهرام التجارية / القاهرة / ط 2002 ص 129.
2- محمد نجيب بوليف / المرجع السابق ص 97.
 اتساعا من تلك المفاهيم التنموية التي كانت سائدة حتى نهاية عقد الثمانينات ، و التي كانت تنظر للتنمية تكلك التي تقتصر على كمية ما يحصل عليه الفرد من سلع و خدمات كلما ارتفع مستوى عيشه ، و بالتالي زادت رفاهيته، و بالتالي سيعرف مفهوم التنمية البشرية توسيعا في بنائه النظري ليشمل أهدافا و غايات أخرى إلى جانب الأهداف الاقتصادية حيث ستصبح التنمية مرتبطة معه بجودة حياة البشر هذه التطورات ساهمت في التأسيس  للمفهوم  الجديد  للتنمية  البشرية ،  و الذي  يعرفه البرنامج الإنمائي  للأمم المتحدة  (PNUD)  أنها
" توسيع خيارات البشر " (1). لتمكينهم من زيادة أمد حياتهم ، و الحفاظ على مستوى جيد لحالتهم الصحية ، و تمكينهم من اكتساب العلوم و المعرفة ، و العيش بكرامة ، و بعد ذلك توفير الحرية السياسية و كفالة الحقوق الطبيعية التي تمكن الفرد من العيش بكرامة و دون مركبات أو عقد نقص اتجاه الآخرين ، و قد اعتمد البرنامج (PNUD) على هذا التعريف ليؤسس التنمية البشرية – سنراه لاحقا – الذي يتكون من الأساسيات الضرورية للحياة ، و قد اتجه البرنامج اتجاها آخر يتمحور حول الفقر البشري الذي يرتكز على النقائص المسجلة من طرف كل بلد لبلوغ المعدل المتوسط المطلوب للتنمية ، بخصوص التركيز على ما تحقق من إيجابيات.
إذن فمفهوم التنمية البشرية يركز على أن البشر هو وسيلة و غاية للتنمية حيث تنظر التنمية البشرية إلى الفائض الاقتصادي على أنه ممول أساسي و ضروري لضمان الحياة الكريمة للبشر و ما التنمية البشرية إلا عملية تنمية و توسيع مجال الاختيار المتاح أما بني البشر لتحسين ظروف حياتهم المعيشية ، باعتبارهم لب عملية التنمية ذاتها، أي أن تنمية الإنسان بالإنسان من اجل خدمة الإنسان ، إنها مفهوم مركب من جملة المعطيات و الأحوال المتغيرة و المتحركة, و هي إجراءات عملية بتضافر العديد من العوامل و المدخلات "INPUT" المتعددة و المتنوعة, من أجل تأثيرات و تحقيق تشكيلات معينة في حياة البشر, في إطار سياقه المجتمعي و هي حركة متواصلة عبر الأبعاد الثلاثة البشر (الأجيال), المكان(النطاق الجغرافي)، الزمان ( الاستمرار و عدم التوقف ) و هذه التنمية المركبة تستدعي النظر للإنسان كهدف في حد ذاته حيث تتضمن كينونته و الوفاء بحاجته الإنسانية في النمو و النضج و الإعداد للمستقبل ، إن البشر هم وقود الحياة في المجتمع و منظميها و منميها و مجددها و مستحث نظمها ، إن التنمية البشرية هدفها تنمية البشر في مجتمعهم بكل أبعاده الاقتصادية و السياسية و الاجتماعية ، و الثقافية ، و شتى المجالات عامية ، فكرية ، ثقافية ، إنها مفهوم مركب أيضا من جملة من المكونات و المضامين تتمازج و تتفاعل في بنائه جملة من العوامل و المدخلات و السياقات المجتمعية ، أهمها عوامل الإنتاج ، السياسةالمالية ، السياسة الاقتصادية ، مقومات التنظيم السياسي و مجالاته ، العلاقة الـمـركبـة بـيـن شـرائـح الـمجتمع ، مصادر السلطة، و الثروة و سؤال شرعيتهما ، معايير تملكها و تداولها ، القيم المرتبطة بها, و التي لها علاقة جانب ما مع المجال الديني و كذلك القيم الاقتصادية، القيم المحفزة للعمل و الإنماء و الجذور التاريخية للإنسان ، و كذلك الوعي ضرورة التطوير و التجديد كأدلة للتقدم و التنمية ( (2.
           هكذا  يمكن القول  إن التنمية البشرية  عبارة  عن عملة ذات وجهين في آن واحد,  الوجه الأول يهتم
 
 
1- تقرير التنمية البشرية العربية للعام 2004 ، ص 1.
-2 موقع المعلم على الانترنيت بتاريخ 12/12/2005م.
بمستوى النمو الإنساني في مختلف مراحل حياته و في جميع وجوهها ، وذلك لتنمية قدرات و طاقات الإنسان سواء على المستوى البدني ما له علاقة بالجانب الصحي ، أو الجانب المهاراتي العقلي و قدرات التفكير و ما له من علاقة بالبعد المعرفي ثم الجانب الروحي و ما يتصل بالشأن الديني ، هذه الجوانب و غيرها تشكل لأحد الوجهين للتنمية البشرية ، بينما يشكل الوجه الآخر مجموعة من العمليات التي تتصل باستمرار الموارد و الأنشطة سواء الاقتصادية، أو السياسية, و غيرها من المدخلات من أجل توليد الثروة والزيادة في الإنتاج, لأجل
استثمار هذه المخرجات في تنمية الوجه الأول و استثمار الوجه الأول أي القدرات و الكفاءات البشرية المؤهلة في تحقيق أهداف الوجه الثاني, و هكذا في علاقة جدلية كلما تمت تنمية أحد الوجهين و استثماره فأنه ينعكس بالتنمية على الوجه الآخر, أو قد يحدث العكس حيت تهميش احد الوجهين يؤدي إلى تخلف الأخر.
من خلال ما سبق يمكن القول إن مفهوم التنمية البشرية عرف تطورا في بنائه المفاهيمي حيث انتقل من مجرد مصطلح يقصد به ما يحصل عليه الفرد من سلع و خدمات مادية و بالتالي كلما زاد نصيبه من السلع الخدمات إلا و يمكن القول أنه في وضعية تنموية جيدة ، و كذا ما تحققه الدولة من الناتج الداخلي الخام بحيث كان هذا المفهوم يعتمد في أساسه على معطيات اقتصادية مادية صرفة ، إذن انتقل إلى مفهوم أكثر اتساعا و شمولا من ذي قبل حيث أصبح يستوعب جميع مجالات و مناحي حياة البشر ، و أصبح يدخل ضمنه معطيات اقتصادية مادية ، و معطيات اجتماعية و ثقافية و حتى معطيات و أبعاد فلسفية ، هذا فيما يخض دينامكية و حركية المفهوم حيث لم يبقى مستقرا بل عرف تطورا جوهريا واضحا ، و إذا أردنا النقاش حول المفهوم إذا ما كان يشكل محل إجماع أو يثير إشكالات معرفية ، فإن الإجابة عن هذا التساؤل فقد رصدت ضمنيا من خلال تعدد التعاريف المدرجة في هذه الفقرة ، و المستقاة من خلال مجموعة من الأبحاث و الكتابات ، فمن الباحثين الذين يعتبرون التنمية عملية و لا يصفونها كحالة (1) ، و منهم من يعتبر هذا الحقل المعرفي ولد ناتج غير متكامل المعنى وغير واضح الحدود بالرغم من مروره بعدة مراحل ساهمت في كل واحدة في تطوره و بنائه ((2ثم بعض المشاكل التي تطرحها بعض التعريفات التي تؤكد على الجانب المادي بمؤشراته الكلاسيكية و التأثر بالنموذج الغربي في التنمية البشرية (3) ، و تبقى جميع التعاريف نسبية حيث تخضع للنموذج الذي يؤثر في صاحبه و البيئة التي تكون بناءه النظري و قناعاته الفكرية.
إذا كان تعريف التنمية البشرية محل إجماع في بنائه العام من حيث أنها تنمية الإنسان بواسطة الإنسان و لأجل الإنسان، و إذا كانت تثير إشكالات في بنائها الداخلي و تفاصيلها الجزئية، فهل تعرف هذا الإشكال أيضا من مجتمع لآخر ؟ بمعنى هل يعرف مفهوم التنمية البشرية حالة مد و جزر بين مرفأ الخصوصية و بحر العالمية ؟ هذا ما سنتناوله بالدراسة من خلال الفرع الثاني من هذا المطلب.
 
 
 
1- محمد نجيب بوليفا / المرجع السابق ص 97.
-2محمد نصر عارف / مفهوم التنمية و إعادة الاعتبار للإنسان / موقع إسلام أون لاين / 2005/10/16.
-3 التنمية الاجتماعية و الاقتصادية واقع و آفاق / تحرير عمر التويمي و مفيده خالد الزقزوقي / الهيئة القومية للبحث العلمي / دار الكتب الوطنية / بنغازي ط I /1997 / ص 16(ندوة).
الفرع الثاني: التنمية البشرية بين الخصوصية و العالمية.
بعد رصدنا للإطار التاريخي و مفهوم التنمية البشرية و نطورها عبر الزمن ، سنحاول الآن كشف النقاب عن هذا المفهوم من خلال الفكر التنموي الإسلامي ، و كشف عناصره و مقوماته ، ثم نسلط الضوء على المفهوم و عالميته من خلال نقاش نقطة الربط بين هذا المفهوم و حقوق الإنسان.
الفقرة الأولى : منظور الفكر الإسلامي للتنمية البشرية .
كعالم إسلامي ينطلق من قيم و معتقدات ، أساسها الشريعة الإسلامية ، لابد أن يكون لها منظور خاص حول المفهوم و المضمون، قد يتفق أو يختلف مع المضامين و المفاهيم التي تنطلق من حضارات وقيم مختلفة ، لكن السؤال الذي يطرح بشكل جوهري هو كيف يقدم باحثوا التنمية البشرية في الإسلام هــذا المفهوم ؟ الأكـيـد أن الـعالـم الإسـلامـي مـتـفـاعـل مـع محيطه الإقليمي و الدولي ، كمنظمات و باحثين و مثقفين – أما الأنظمة فهي تعكس النمط الغربي أكثر منه الإسلامي – لكن مع ذلك يبقى التصور الإسلامي للتنمية البشرية، متميز نسقه النظري و بناءه الموضوعي.
          إنه مفهوم ينطلق من رؤيته للكون التي تتضمن الموفق من الخالق و المخلوق ، الحيلة و الموت و من تم يتأسس النموذج المعرفي الكامن خلف هذه الرؤيا ، و هذه الأخيرة تقوم على قاعدة أركانها أن هذا الكون مخلوق ن قبل رب، مدبر، قدير، عليم فعال لما يريد، و أن الإنسان في هذا الكون خليفة للخالق تبارك و تعالى، مكلف بعمارة الأرض على منهج الله تعالى((1 ، و أنه عبد مطلق لله عز و جل ، و مغزى هذه العبودية تحرير الإنسان من الخضوع لأسر أي أمر أو نهج، غير نهج و أمر الله و شريعته و أن الإنسان سيد المخلوقات في الكون، فهو رئيس وقائد بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له (2) ، و أن الاستخلاف يستوجب وجود منهج وشريعة ، يحدد فيها المستخلف قواعد و أسس ، و ضوابط حركة الاستخلاف و كذلك استحضار حقيقة مفادها أنه لابد من يوم الحساب و المراجعة ثم الجزاء بنوعيه إما الحسن أو العقاب كما أن هذا المستخلف مؤطر و محكوم بقوانين تجد له النموذج الأسمى لما يجب أن يكون عليه سلوكه و تعامله مع المسخرات التي أوجدها الله في هذا الكون، هذا النموذج يتأسس على قاعدة أهمها أن هذه المسخرات يجب أن تكون وسيلة لتحقيق الاستخلاف و رسالاته، و من تم لا يجوز احتكارها أو تدميرها، و إنما ينبغي التفاعل معها تفاعلا إيجابيا مبني على فلسفة وجودها و توازنها و دورة تجديدها، و بالتالي فهذا النموذج المتكامل القائم على حقيقة التوحيد و الاستخلاف و عمارة الأرض و الحساب الأخروي, ينظر لعملية التنمية نظرة متكاملة، سواء على مستوى شمولها لجميع أوجه الحياة الاجتماعية، و عدم التركيز على وجه معين دون الآخر، سواء كان سياسيا، اقتصاديا، اجتماعيا أو ثقافيا، إلى غير ذلك من مظاهر حياة الإنسان، و إنما يشملها برؤية تستوعب جميع الأبعاد على مستوى متساوي و بنفس الأهمية لكن بعد((3، و يعدل في علاقة الأجيال اللاحقة حتى لا يطغى جيل على حساب جيل آخر.   
1
 -1 محمد رياض / الشريعة الإسلامية كمال في الدين و تمام في النعمة / دار ابن عفان للنشر و التوزيع / المغرب/ ط I / 2000 / ص 47.
-2 عبد الرحمان ابن خلدون / مقدمة ابن خلدون / دار الكتب العلمية / بيروت / ط I / 2000/ ص104.
-3 محمد نصر عارف / مرجع سابق ص 19.
جيل استنزف و دمر البيئة و استفاد منها ، و جيل لم يعد له أي مقوم من مقومات التطور و الإنتاج و التقدم ، كذلك هذا النموذج يقوم على أساس أن المعرفة و العلم لا يعرفان الكلمة الأخيرة(1) ، و من تم فجميع التجارب البشرية تقدم لنا شيئا و بالطبع فهذا النموذج لا يأخذ إلا ما وافق معتقداته و قيمه ، و أنه لابد أن يبحث عن الحكمة أن وجدها فهي ضالته " الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها " ((2, كما أنه لا توجد تجربة واحدة تمثل النموذج الأسمى ينبغي أن تتقو لب عليه باقي التجارب الإنسانية ، و به يتم استبعادها ، لا إنه يقوم على كليات تتيح للبشر حرية الاختيار  على نطاق و اسع .
و إذا ناقشنا غايات التنمية البشرية، من المنظور الإسلامي، فسنتوصل إلى حقيقة مفادها أنها غايات تتسم بالتوحيد منسجمة مع النموذج المعرفي و القيمي الذي تستند إليه، و الذي يقوم على التوحيد كقيمة عليا لا تقبل التصاعد، و هذا التوحيد يتجلى من خلال مفاهيمنا الأساسية، حيث تدور هذه الغايات حول تحقيق العبودية لله وحده دون غيره، وتعمير الأرض بمنهجه و شريعته، و تحقيق الحياة الطيبة للبشر في الدنيا و في الآخرة من خلال حفظ الكليات الخمسة من دين ونفس و عقل و نسل ثم مال، و العمل على الفوز برضا الرحمان يوم الحساب, فهذه النظرة المتكاملة التي تشمل جميع أبعاد حياة البشر- سياسية، اقتصادية، اجتماعية، ثقافية- كفيلة بتحقيق التوازن المجتمعي و تضبط اتساع الحضارة حتى لا يختل توازنها و يطغى أحد مكوناتها على الآخر.
إن النموذج الإسلامي للتنمية البشرية مترابط في خيوطه و تفاصيله، و هو بدوره يشكل حلقة ضمن الإطار العام للحياة و يتكون من العناصر التالية ((3:
        *العقيدة : أي ما مجموع ما يعتقده المسلم في دينه ، و هي القاعدة الأساسية في التفكير الإسلامي و هي التي تحدد خلفيته و رؤيته الكلية للكون بكل ما فيه من إنسان و باقي المخلوقات ، و كذلك من حياة أو موت و تضفي عليها طابعا إيمانيا و تعطيها قيمة ذاتية .
        *المفاهيم : إنها تعكس وجهة نظر الإسلام في تفسير الأشياء على ضوء النظرة العامة التي تشكلها العقيدة و يعمقها تطبيقها ، بمعنى آخر تبيئة المفاهيم ((4 حتى تكون منسجمة مع النموذج الذي يعكس العقيدة و لا يتعارض مع منظومتنا القيمية و بالتالي يصبح المفهوم مقبولا غير مثير للاعتراض.
        *العواطف و الأحاسيس : كما هو معلوم في الشريعة الإسلامية فقد وردت شاملة لكافة ما يتعلق بحياة البشر ، و بالتالي لم تغفل حتى الجانب النفسي الشعوري بل أحاطته عناية فائقة بتهذيبه و تنميته بالشكل الذي يؤدي دورا هاما في تكييف الحياة ، و يضمن أسباب التضامن و السعادة ، و إشاعة الحب بين الناس و تعم الطمأنينة داخل المجتمع .
        *السياسة الاقتصادية: هنا أيضا يتميز الإسلام عم المذاهب البشرية سواء من حيث المنطلقات أو الأهداف و كذا من حيث صياغة التفصيلات، و يمكن اقتباس هذا التعريف، السياسة الاقتصادية الإسلامية هي
-1 محمد نصر عاارف / المرجع السايق/ ص 20.
-2 حديث شريف.
-3 محمد نصر عارف / المرجع سابق/ ص  67 و       . 63
-4 محمد عابد الجابري / سلسلة مواقف / دار النشر المغربية / الدار البيضاء / ط I / دجنبر 2004 / ص 7.
الطريقة التي تدبر و تسير بها الحياة الاقتصادي للمجتمع الإسلامي ((1 و مبادئ هذه السياسة بشكل عام - لا يسمح المقام بتفصيلها – التوازن بين الملكية الجماعية و الفردية، مكافئة الرأسمال المنتج بالربح فقط, و إبعاد عنصر الفائدة – الربا – وإشراك رأس المال و العامل في المسؤولية حيث هما معا في الربح و الخسارة ، تحقيق القيمة العادلة للمال العمل من خلال السوق ، التضامن مع من لا ينلك المال و لا العمل ، المعادلة بين المادية و الروحية حيث لا يكون الهدف ه تحقيق الربح دون الاعتبار للجانب الأخلاقي و السلوكي بحيث لا مجال لمبدأ الغاية تبرر الوسيلة ، لأن سعادة الإنسان لا تتحقق بالمكاسب المادية فقط (2) .
        *التشريع الجنائي : إن الحدود و العقوبات في التشريع الإسلامي و التي للها طابع الإكراه البدني ساء الجلد و القطع أ الصلب و حتى الإعدام ، كلما جاءت لحالات قليلة جدا و تتطلب شروطا صعبة لقيامها و ذلك رحمة بالعالمين رغم أنها رصدت لمخالفات خطيرة على المجتمع ، حماية له من المجرمين الطغاة حتى يتمكن الأفراد و الجماعات العيش في أمن و طمأنينة و سلام لا يخافون على أعراضهم و أرزاقهم لأن الظلم إذا ساد في الأوطان فإنه مؤذن بخراب العمران ((3 .
        *الأخلاق : إن التشريع الإسلامي لا يعمل فقط على تنظيم و ضبط الوجه المادي و الظروف الطبيعية للمجتمع ، شأن المناهج الوضعية ، و إنما ينفد إلى مكنوناته الفكرية و الروحية و يعمل على التوفيق بينها و ذلك بالاعتماد على مبدأ مزدوج بين الدافع الذاتي و العامل الأخلاقي ، و لعل ما يزكي ذلك قوله صلى الله عليه و سلم " إنما بعث لأتمم مكارم الأخلاق " (4) لقد لخص و جمع رسالته (ص) في إتمام مكارم لأخلاق ، هنا يظهر لنا مدى الاهتمام في الشريعة الإسلامية بعنصر الأخلاق و دوره الأساسي لأهم عناصر التنمية البشرية .
إذن هذه العناصر بشكل عام تؤسس البنيان المرصوص لقاعدة التنمية وفقا للمدخل الإسلامي و لابد من الإشارة إلى أن كل عنصر من هذه العناصر يشكل الركائز الأساسية لرسالة الإسلام.
و حتى نكون أكثر قربا من المفهوم الإسلامي للتنمية البشرية، و أقل بعدا عنه, لابد من استحضار خصائص هذه التنمية حتى نقف على ما يميزها عن غيرها، و هذه الخصائص كالتالي((5:
        *الشمول : إن نظام التنمية البشرية في الإسلام ، يسعى بالدرجة الأولى إلى إيجاد مجتمع من جميع الوجوه ، يجمع بين المادة و الروح ، يسعى إلى إقامة عدالة اجتماعية ، و اقتصادية و ثقافية شاملة تتساوى فيها المادة و الروح ، فهي تنمية تخلق تجانس كلي بين حاجات الفرد و متطلبات الجماعة إن مبدأ الشمول هذا ، يقتضي حاجات البشر في كافة مناحي الحياة سواء نعلق بالمأكل و المشرب و التنقل و التعلم و التعبير و المشاركة في الحياة العامة ، إنها تنمية عمودية أفقية ، فهي تنمية لا تقبل حرية التعبير المبادرة دون أن تضمن لقمة العيش ، و كذلك لا تقبل أن تتضمن لقمة العيش دون لقمة الحرية و التعبير.
 
 
-1 محمد باقر الصدر اقتصادنا / دار الفكر / بيروت / ط I / ج / I  1973 / ص 9 .
-2 علال  الخياري / الاقتصاد الإسلامي / شركة النشر التوزيع المدارس / الدار البيضاء / 1988 / ص 55 .
-3عبد الرحمن ابن خلدون / المرجع السابق/ ص 223 .
-4 حديث شريف.
-5  إبراهيم العسل / التنمية في الإسلام مفاهيم و مناهج و تطبيقات / المؤسسة الجامعية للدراسة و النشر و التوزيع/ بيروت / ط 1965/ I/ ص 71-.
        *التوازن : و يحيل هذا المفهوم على التساوي و التعادل و يعني أن تتساوى جهودنا مقاصدنا في التنمية على جميع متطلبات و مجالات الحياة ، فإذا كانت التنمية البشرية في الإسلام تشمل جميع أبعاد الحياة و جميع مجالاتها فكذلك لابد أن تكون الجهود المبذولة لتنمية كل مجال تتساوى فيما بينها . فلا ينبغي تغليب جانب على آخر ، أو أن تنفرد بعض النواحي بالاهتمام دون الأخرى فنهتم بالتجارة و الصناعة و نهمش التعليم و الصحة ، و أن نتفنن في تشييد مباني الإدارات و ننسى أ نتناسى تعبيد الطرقات و توصيل الكهرباء و الماء للقرى و المداشر، أو نهتم بالجانب الترفيهي ، أو التدريب و ننسى الجانب التربوي التهذيبي ، فينتج لنا مجتمع متخبط في التناقضات و المشاكل التنموية ، و أهم ما يعبر عن هذه الخاصية مبدأ الوسطية و الاعتدال ، الذي يعتبر أهم ركائز الشريعة الإسلامية (1) .
        *الواقعية : و يقصد بالواقعية هنا ، النظر إلى المشكل المطروح في جميع جوانبه و دراسة أبعاده و إيجاد الحلول اللازمة و الملائمة لواقعها القائمة ، قد يقول قائل لقد انقطع الوحي فكيف يمكن علاج الواقع حسب الظروف و الواقع الملائم ، فالرد يكون من خلال كون واقعية الإسلام تكمن في مثاليته ، كيف ذلك ؟
لقد عالج الإسلام مشكل العنصرية من 14 قرنا من الزمان ذلك بجعل معيار التفاضل بين الناس التقوى ((2 ، و هذا المعيار لا يمكن للبشر أن يقيسه ، فيبقى المسلمون متساوون فيما بينهم ، دون النظر إلى لونهم أو لغتهم أو شيء آخر ، لقد حسم الشرع الإسلامي مشكل التضامن بين من يملك و من لا يملك ، فجعل حق الثاني على الأول بقدر معلوم (3) يحقق التوازن بين أفراد المجتمع ، فيقضي بذلك على الفوارق الطبقية ، و قد بلغت هذه الواقعية درجة المثالية في العديد من الفترات في التاريخ الإسلامي حتى بلم يعد داخل الجماعة محتاج لا يجد من يعيله و لا مريض لا يجد من يداويه و لا أعمى يفتقد إلى رعاية و لا حيوان يتعثر في الطريق .
        *العدالة: أقام الله تعالى شرعه على أساس العدل، وحرم على نفسه الظلم و جعله بين عباده محرما ((4، يقول ابن القيم رحمه الله "إن الله سبحانه و تعالى أرسل رسله، و أنزل كتبه، لقوم الناس بالقسط، و هو العدل الذي قامت به الأرض، و السماوات، فإذا ظهرت إمارة العدل وأسفرت بأي طريق فثم شرع الله و دينه " (5) لقد حرص الإسلام على إقامة العدل بين جميع الناس، فلا مجال لاستفادة طبقة دون أخرى بامتيازات ، دون باقي الناس ، فلابد من تحقق العدل من خلال تكافئ الفرص في تولي المناصب ، و الاستفادة من الثروات .
        *المسؤولية : فالناس في ظل هذا النموذج التنموي الإسلامي ، لا مجال لهم من التنصل من مسؤولياتهم سواء تجاه أنفسهم و ذلك بالحفاظ عليها و العمل على ما من شأنه أن يرفع مكانتها و قدرها وسط الخلق و كذلك مسؤولية الفرد تجاه بعض أفراد الذين تربطهم به علاقة سواء كانت القرابة أو العمل ، أو شيء آخر ، فهذه العلاقة تحكمها قوانين ربانية ، فمثلا لا يمكن للمسلم أن يضع والداه في دار المسنين و هو قادر على كفالتهما ،
 
 
-1 محمد يتيم / الوسطية و الاعتدال / طوب بريس/ الرباط / 2005 / ص 3.
-2 خطبة الرسول (ص) في حجة الوداع .
-3 سورة المعارج ( آية 23 و 24 ).
4- " يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي فجعلته بينكم محرما فلا تظالموا", حديث قدسي.
 -5 ابن قيم الجوزية / الجواب الكافي لم سأل الدواء الشافي / المكتبة الثقافية / بيروت / 1989/ ص 181.
ووجوب منح الزكاة للأقربين ، ثم أتي بعد ذلك مسؤولية الفرد تجاه المجتمع ككل و يعبر على ذلك الحبيب المصطفى (ص) " مثل المؤمنين في توادهم و تراحمهم كمثل الجسد الواحد, إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى " (1) .
        *الكفاية : و يقصد بها أن تكون عملية التنمية بالقدر الكافي ، فلا يجوز أن تكون بقدر أقل من الحاجة بحيث يمكن للإنسان أن يعيش حياة كريمة ، تغنيه عن سؤال غيره ، و أن يكون العمل بالقدر المطلوب الذي يحقق النهضة و التقدم فلا مجال للبخل و لا للتقاعس.
        *الإنسانية : تكون هذه الخاصية جوهر خصائص التنمية البشرية في الإسلام و غايتها ،فالتنمية عندنا نحن المسلمون ، غايتها ليس هو الربح ، و لا عملية تجميل لتزيين النظام السياسي الحاكم و تمرير المرحلة بسلام و إنما غايتها الإنسان حتى يكون حرا ، كريما ، يعمر الأرض ، و يحيا حياته بالعمل الصالح ، فيحقق رسالة الاستخلاف ، فالإنسان لم يخلق ليكون حيوانا همه في الحياة ، إشباع رغباته و إشعال نزواته ، بل هو أسمى في الوجود من ذلك ، له الحق في التمتع باللذات في نسق يحفظ كرامته, و يحقق مقصد الشارع في حفظ الكليات الخمس (2) .
لعل ما يمكن أن نخرج به ، أن التنمية البشرية في المنظومة الفكرية الإسلامية تقوم على حقيقة واحـدة, لها عدة تجليات, مـفادها أن الإنسان خليفة الله في الأرض و ذلك وفق دستور وضع من قبل صانع هذا الكون ، وترك لله سبحانه و تعالى في الأرض صلاحية استنباط القوانين العادية من هذا الدستور بعد أن وضع نبيه محمد ( ص ) القوانين التنظيمية لهذا الاستخلاف ، حتى يتمكن من مواجهة ما يستجد من أحداث ووقائع وفقا لشروط الزمان و المكان ، بشكل يجعل هذا لنموذج صالح لكل زمان و مكان ، و ذلك ما يميزه عن غيره من النماذج ، لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام ، هل يمكن أن يلتقي هذا النموذج مع غيره من النماذج الموجودة للتنمية البشرية بعد ربطها بقيم حقوق الإنسان ؟ هذا ما سنحاول الاقتراب منه خلال الفقرة التالية من هذا الفرع .
الفقرة الثانية : التنمية البشرية و ربطها بقيم حقوق الإنسان .
         المتأمل في سيرورة التاريخ  وما يرافقه من تطورات  وتغيرات على جميع المستويات لابد، أن يدرك تلك التقارب و التلاقي بين ميدان التنمية البشرية و خطاب حقوق الإنسان هناك تلاقي متدرج و إيجابي، إن السر في هذا التلاقي يكمن في جوهر منظومة حقوق الإنسان و جوهر منظمة التنمية البشرية ((3 ، هناك أولا محورية البشر و أيضا محورية الحرية ز مبدأ الإنصاف حيث يمثل محور لكل المنظومتين ، و إذا ما نظرنا في جوهر منظومة حقق الإنسان لوجدنا مبدأ الحرية و التحرر الذي يسمح بالمواساة بمفهومها القانوني و السياسي،و ها نحن نجد الحرية هي جوهر التنمية البشرية لأنه في تعريفها ((4 نرتكز على مبدأ الحرية ، فلا يمكن إطلاقا تصور تنمية بشرية  دون  وجود  الحرية ، كما  مثلت  قضية  حقوق  الإنسان ، القضية المحورية لتقرير التنمية 
-1 حديث شريف.
-2ابراهيم العسل / اللمرجع السابق / ص 71 و 72 .
-3عزام محوب / تعقيب في ندوة الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية / / المنظمة العربية لحقوق الإنسان الدار البيضاء يوليوز2003/ ص 55 و56 .
4- أمرتيا صن - ترجمة - شوقي جلال/ التنمية حرية/ سلسلة عالم المعرفة/ مطابع السياسة / الكويت/ ماي 2005 / ص 16.
البشرية لعام 2000 الصادر عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة ، و ما جاء في هذا الـتـقريـر مـن تـأكيد على أن حقوق الإنسان غير قابلة للتجزيء ، و لا يمكن أن تخضع للانتقاء ؛ و ذلك لأن هذه الحقوق كل متماسك لا يمكن التفريط في جزء من أجزائه دون تضييعها جميعها ، و الأمثلة على ذلـك الارتـبـاط كبيرة جدا فمثلا التحرر من الخوف و العوز مرتبط بحرية التعبير و المعتقد ، كما أن الحق في التعليم مرتبط بالحق في الصحة و العيش الكريم كما أن تمتع الطفل برعاية الأم السليمة مرتبط بمعرفة الأم للقراءة و الكتابة ، و مصدر الرزق الكريم.
 قد اختلفت الرؤى حول علاقة التنمية بحقوق الإنسان طوال العقود الماضية ، و خاصة في ظل أزمات السياسية و الاقتصادية الاجتماعية و حتى الثقافية بعض الأحيان ، حيث اختلفت هذه الـرؤى وفـقـا لكل مرحلة ، و جـسـد الـمـرحلة الأولى ما يصطلح به الجيل الأول لحقوق الإنسان و كانت حقوق مدنية و سياسية ، ثم الجيل الثاني الذي يطلق عليه الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية, ثم الجيل الثالث وهو الحق في التنمية والبيئة، و قبل الشروع في مناقشة علاقة التنمية البشرية بمنظومة حقوق الإنسان من خلال الأجيال الثلاثة, لابأس أن نعطي تعريفا لحقوق الإنسان حسب الفقه المعاصر, و هي مجموعة من الحقوق التي تضمنتها المواثيق الدولية  و المضمونة للإنسان لمجرد كونه كذلك, و ذلك بغض النظر عن جنسه أو دينه، و لونه أو عرقه, و عقيدته (1) و هي كل لا يمكن تجزيئه أو التنازل عن بعضه.
و جاءت هذه العلاقة سواء كانت مقصودة في بعض الأحيان و غـير ذلك في أحيان كثيرة و ذلك كالتالي
        *الجيل الأول: و هو جيل الحقوق المدنية و السياسية و الذي جاء عبر مراحل عديدة تميزت بالصراع تارة و السلم تارة أخرى ، ساهمت فيها كل الحضارات الإنسانية بشكل أو بآخر، و يعتبر العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية ((2 الصادر سنة  1948وقد جاء هذا العهد ليؤسس لهذه الحقوق بشكل قانوني على المستوى الدولي، و ما يمكن القول بأنه من الناحية الجوهرية في ارتباط هذا العهد بالتنمية البشرية، نجد المادة 3 تنص على المساواة، وعدم إمكانية تحلل الدول من التزاماتها تجاه حماية حقوق الإنسان (المادة 4)، النص على حق الحياة ( المادة 6)، القمع و الحط بالكرامة الإنسانية (المادة 7)، الحريات الخاصة الفردية (المادة 17 ), الخصوصية ثم الحرية الفكرية و حرية الاعتقاد ( المادة 18 ) ، حرية الرأي و التعبير (المادة 19) ، ثم الـنـص عــلـى الحريات السياسية (المادة 25) و كذلك حرية التكتل العمالي من خلال تأسيس النقابات (المادة 22 ) ، ثم إقرار مبدأ المساواة أمام القانون بين جميع الأفراد (المادة26) ، و إذا ما رجعنا إلى نص الوثيقة و اطلعنا على ما جاء فيها نجده فعلا- العهد الدولي - يؤسس لذلك التلاقي الحتمي بين حقوق الإنسان و التنمية البشرية، و بالرجوع إلى التقارير الأممية ، نجد العديد من التقارير همها الأساسي هو الحريات و الحقوق و خاصة السياسية؛ أي المشاركة في الشأن العام للدولة ثم الحق في التعبير و المساواة أمام القانون ، و لاشك أن هذه الحريات تشكل العمود الفقري لفكرة التنمية البشرية في أحد جوانبها ، و ما يؤكد ذلك السؤال التالي : كيف يكون لديك طاقم بشري يساهم في التنمية كوسيلة
 
 
 
1- Rapport du PNUD sur le developpement humain arabic , 2004 .
 
-2 أحمد البخاري – أمين جبران / الحريات العامة و حقوق الإنسان / وليلي للطباعة النشر / مراكش / طI / 1996 / ص 99.
لا يستطيع التعبير على رأيه و التحكم في اختياراته ، إذن كيف يمكن أن نبني العلاقة بين حقق الإنسان و التنمية من خلال الجيل الثاني لحقوق الإنسان ؟
        *الجيل الثاني : و هو جيل الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية ، و جاء العهد الدولي الخاص بهذه الحقوق ((1 تتويجا للصراع الذي خاضه مناصرو حقوق الإنسان و صدر هذا العهد سنة 1967 و باستعراضها لأهم مواد هذه الاتفاقية ، نجد التالي : توفير أكبر قدر من الحماية و المساعدة للأسر (المادة 10) ، الحق في العمل (المادة 6) ، الحق في مستوى معيشة كريمة (المادة11) ، الحق في الصحة (المادة12) ، الحق في التعليم و الثقافة, (المادة15.14.13), الحق في الإضراب, و الحماية الاقتصادية, و الاجتماعية (المادة 22).
 و ما يمكن أن نخلص إليه هو أن عناصر هذا العهد تشكل جوهرا التنمية البشرية, و تشكل أهم مجالاتها ، فالتنمية البشرية تهم الجانب الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي ، إلى جانب مجالات أخرى ، فهم التنمية البشري رفع مستوى الصحة و هو ما يتفق مع روح (المادة 12)، ورفع مستوى التعليم و المعرفة و هو روح (المادة 13 و 14 15) . إذن يمكن الجزم أن منظومة حقوق الإنسان تلتقي في كثير من النقاط مع التنمية البشرية ، و يؤكد ذلك الجيل الثالث لحقوق الإنسان و ما يصطلح عليه حقوق تضامنية ، بيئية و تنموية ، و ذلك من خلال العديد من الاتفاقيات التي تحث عل حماية البيئة و المحافظة عليها ، و كذلك ضرورة التعاون الشمال و الجنوب ، و كذلك المناداة بالحق في التنمية للعديد من البلدان ، و ضرورة مساعدتها على تحقيق بعض التقدم في هذا الشأن ، و أقرت الأمم المتحدة مبدأ هاما يقول " إن تكافؤ فرص التنمية حق للدول بقدر ما هو حق للأفراد داخل الدول نفسها " (2) ، و قد اعتبرت أن الحق في التنمية هو حق غير قابل للتجزئة أو التصرف ، و أن التنمية تمكن الإنسان من ممارسة حقوقه و أن الدول مطالبة بإتاحة الفرص تتكافئ للجميع ضمانا لوصولهم إلى الموارد الأساسية و إلى التعليم و الخدمات الصحية و الغذاء و الإسكان و الشغل و التوزيع العادل للثرواث ، و يمكن القول أيضا أن الحقوق و التمتع بها يساهم في إنجاح جهود التنمية البشرية و يساعد تطبيق برامجها .
و قد دعم المجتمع الدولي و الأمم المتحدة لهذا الربط ، و ذلك من خلال عدة مؤتمرات عالمية منذ سنة 1986، و كان أهمها : المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان في فيينا سنة 1993م، و مؤتمر السكان و التنمية في القاهرة عام 1994، ثم مؤتمر التنمية الاجتماعية في كوبنهاكن سنة 1995م ، و الملاحظ أن دعم المجتمع الدولي و الأمم المتحدة للقضية جاء من خلال التأكيد على عدد من المبادئ و الأسس التي تعتبر أساسا لتمتع الإنسان بعائدات التنمية البشرية ، و قد تبين من خلال دراسات الأمم المتحدة أن أكثر القضايا إلحاحا عملية التنمية البشرية و تؤثر على حقوق الإنسان هي : تخفيف حدة الفقر ، القضاء على مشكل البطالة ، تعزيز التكامل الاجتماعي ، و من جهة أخرى يلاحظ المهتمون بهذه القضية أن هناك ثلاث حواجز تحول دون إدماج حقوق الإنسان في التنمية البشرية بشكل فعلي و خاصة على المستوى الدولي و هي: أزمة المديونية و ما يترتب عنها من أعباء و تبعات اقتصادية و اجتماعية يتحملها في نهاية المطاف على الفرد ، سياسات و برامج
 
 
-1 أحمد البخاري – د  أمينة جبران / المرجع السابق / ص 62.
-2 مغاوري شلبي / موقع إسلام أون لاين / 11/ 11 / 2005.م.
الإصلاح و الأعباء التي تقع على الدول النامية من جراء تطبيقها ، و التي غالبا ما تكون لها انعكاسات سلبية على العديد من المستويات ((1 ، و هذه الإصلاحات دائما تكون مفروضة من المؤسسات المالية العالمية ، ثم تذرع الحكومات و الدول بأسباب داخلية و أخرى خارجية لتبرر عدم مراعاتها الحقوق و الحريات الأساسية للأفراد.
و إذا كان الموضوع محسوما من حيث المبدأ على المستوى الدولي فإنه من حيث التطبيق يعرف بعض المشاكل خاصة حين ندخل في نقاش الالتزامات الموكولة لكل طرف من أطراف العلاقة الدولية ، فمن الواضح أن دول الجنوب تحاول الإفلات من محاسبة المجتمع الدولي لها على عدم احترامها لحقوق الإنسان ، أما دول الشمال فتحاول الهروب من مسؤولية التمويل و الالتزامات المالية تجاه الدول الفقيرة ، و قد كان ذلك واضحا في نتائج مؤتمر السكان الأخير، حيث تحملت دول الجنوب ثلثي المصاريف اللازمة للتمويل، بينما تحملت دول الشمال الثلث فقط .
و تعكس رؤية المجتمع الدولي العالمي – المنظمات و الجمعيات الغير حكومية التي يتعدى نشاطها الحدود الجغرافية بين الدول – للعلاقة و الترابط بين المفهومين أهمية خاصة ؛ لأنها تمثل أي الرؤية الضمير الأخلاقي الدولي ، وتمثل مطالب يعمل عليها المجتمع المدني العالمي لتحقيقيها ، و تتمثل في : الاتساق بين برامج الإصلاح الاقتصادي و الأحكام ذات العلاقة بحقوق الإنسان, و الاعتراف بان إفقار قطاعات من السكان يعتبر انتهاك لحقوق الإنسان ، ثم ضرورة إقامة علاقة تـجـاريـة دولـيـة مبنية على أساس الإنصاف((2 ، و إنهاء تحكم الدول الغنية في الأسواق و الـمـواد و احتكار التحكم في الأسعار ، العمل على خفض الإنفاق العسكري لصالح الإنفاق التنموي ، إلغاء الديون الخارجية المستحقة على الدول الفقيرة ؛ و أخيرا الاهتمام بالمؤسسات المدنية و احترامها و زيادة مشاركتها في مخططات التنمية البشرية ، و رفع القيود عنها و لابد من صوت عال مستمر ينادي برفع القيود عن المجتمع المدني و إفساح المجال أمامه ((3 .
هذا من حيث الجانب النظري و ظاهر الفكرة, حيث نلاحظ تقربا شبه اتفاق عام حول الربط بين حقوق الإنسان و بين التنمية البشرية ، بل لاحظنا المطالبة و الإلحاح على أن هذين المفهومين هما مترابطين منذ البداية ، و عن لم يكن السياق الدولي و الداخلي يساعد على كشف ذلك ، و إذا ما حولنا زاوية النظر إلى زاوية أخرى و هي المساحة بين المستوى النظري و المستوى التطبيقي نجد ثقب يحول دون الرؤية و يحول الصورة إلى سراب ، و مما يجعل الثقب كبير ، تقوله و تطالب به الدول و المؤسسات و بين الواقع ، نجد الآتي(4) : محدودية حجم و أهمية الآليات التي وضعت لترجمة هذه العلاقة ، خضوع الدول و الهيئات  الدولية  في  تحركاتها  على
                                                              
-1 برامج التقويم الهيكلي أنظر : حمدوش البشير / مشكلات التصحيح و التنفيذ في البلدان العربية / مستوى النقد العربي / 1987.
-2 د روجيه كارودي / المرجع السابق ص116.
-3 محمد عوض / الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية / المرجع السابق ص 203.
-4 مغاوري شلبي / موقع إسلام أون لاين على الإنترنيت /06/11/11.
مستوى حقوق الإنسان لخلفياتها السياسية بعيدا عن التنمية و حقوق الإنسان ، عدم مراعاة صندوق النقد و البنك الدوليين لهذه العلاقة على صياغة برامج الإصلاح الاقتصادي ، الإصلاحات الاقتصادية التي تفرض من المؤسسات الدولية المقرضة غالبا ما تكون مالية و لا تستحضر بعد التنمية و حقوق الإنسان ، استخدام حقوق الإنسان كذريعة للتدخل في شؤون الدول الداخلية و الكيل بمكيالين من طرف الدول الغنية تجاه الدول الفقيرة ، و استخدام سلاح حقوق الإنسان للضغط على الدول الضعيفة ،و الفائدة من هذا كله ؟، أن الربط بين مفهوم التنمية البشرية و منظومة حقوق الإنسان هو أمر ضروري ؛ لأن التنمية التي تتأسس على عدم احترام حقوق الإنسان تكون في الغالب تنمية مشوهة و ناقصة في أحد بناءاتها (1) ، و لاشك أن الأغلبية تعتقد ذلك ، لـكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو : هل فعلا تم حل الإشكال من خلال الربط بين المفهومين ؛ هل تعتبر منظومة حقوق الإنسان فعلا ذلك الجسر الذي يربط بين الخصوصي والكوني دون أن يثير زوبعة صدام الحضارات أو الثقافات ، لنتعمق قليلا و نسلط الضوء على أحد أهم عناصر حقوق الإنسان و هو الحرية و نربطه بالتعبير و نتحدث إذن عن حرية التعبير ، إنه مبدأ يشكل إجماع العقلاء و اتفاق الثقافات ، لكن المشكل لا يطرح على المستوى النظري و إنما يظهر و يخرج للوجود عندما نخضع هذا المبدأ للتطبيق ، و لا أدل على ذلك ، الأزمة الحاصلة بين العالم الإسلامي من جهة و عدد من الدول الأوروبية التي نشرت صحفها رسوم مسيئة للرسول (ص) و على رأس هذه الدول الدنمارك، لقد كانت العلاقة بين العالم الإسلامي و الدول الاسكندينافية وخاصة الدنمارك ، علاقة جيدة تتسم بالاحترام المتبادل ، لكن انظروا كيف أن اختلاف المرجعيات الحضارية و الثقافية يساهم في اختلاف تطبيق مفهوم حقوق الإنسان و يتسبب في زعزعة العلاقة الجيدة – هذا إذا زعمنا أن تلك الإساءة كانت نتيجة حرية التعبير لكن الواقع شيء أخر- إذن فالتنمية البشرية و إن كانت لصيقة بحقوق الإنسان فذلك لا يعطيها الطابع العالمي ، بل العكس قد يعمق من خصوصيتها ، و ضرورة إخضاعها للملائمة مع الزمان والمكان الذي ستطبق فيه عملية التنمية البشرية ، و انسجاما مع القيم والمعتقدات التي يعتنقها الناس المستهدفين بها ، حتى تكون خطابا واضحا و مفهوما للجميع ، و بإمكان الجميع أن ينخرط فيه و يستفيد منه ، و يجب أن نقتنع أن التنمية البشرية بشكل خاص, والتحديث, و التغير نحو الأفضل بشكل عام ، إما أن يكون من الداخل بشكل سلمي سلس, و إما من الخارج وتجسدت صورته في العراق حيث يكون التغير على ظهر الدبابة و حاملات الطائرات محمولا يتم فرضه على الجميع حتى على أولائك الذين سعوا لجلبه, وبالطبع لن يكون لصالح  الشعب ولا لصالح الحاكم.
 إذا كان مفهوم التنمية البشرية حاضرا منذ الأزل ، و إذا كان حضوره مثل ذلك المارد الذي يظهر في فترات دون أخرى إلى الواجهة ، و إذا كان الوجه الذي استقر عليه في العقد الأخير اتخذ ملامح تنمية الإنسان بواسطة الإنسان و من أجل الإنسان ، ثم إذا كان المفهوم في العالم الإسلامي يتخذ نفس الشكل و يختلف عنه في الجوهر و المضمون و كذلك المنطلقات و الغايات ، و إذا كان لمسألة ربط التنمية البشرية بحقوق الإنسان وجه
إيجابي في إكساب التنمية البشرية نوعا من الحتمية و الإلزامية و حرق المراحل التي قطعتها البشرية في فرض
-1 مغاوري شلبي / الموقع السابق.
خطاب حقوق الإنسان، فإن لهذا الربط وجه آخر سلبي عندما يستخدم ذلك الربط لفرض نموذج ما على باقي الدول المستضعفة و توجيهها نحو النموذج الغربي للتنمية البشرية و إذا كان الحال النظري كذلك، فكيف هو بناءها الداخلي ؟ و ما هي الأسس التي تبني عليها على أرض الواقع ؟ و كيف يمكن إخراجها من التصور النظري إلى التطبيق الواقعي ؟ هذه التساؤلات سنحاول مقاربتها من خلال طرح التساؤل التالي: ما هي محددات التنمية البشرية و الذي سيكون مدخل المطلب الثاني .
المطلب الثاني : محددات التنمية البشرية. 
لا يكفي لرصد المفهوم العام للتنمية البشرية أن تقوم بالإحاطة بالإطار التاريخي و كذلك التعريف المرصود لهذا المفهوم ، بل يتطلب الأمر العمل على تحديد المحددات التي تنبني عليها عملية التنمية البشرية و ذلك بالعمل على رصد مجالاتها و أشكالها و كذلك آليتها و مؤشراتها ، وبذلك نكون قد أشرفنا على إتمام محاولة الإحاطة بالإطار النظري للتنمية البشرية ، و ذلك بالاعتماد على الإجابة على الأسئلة التالية : ما هي   المجالات التي تستهدفها التنمية البشرية ؟ و ما هي الأشكال التي تتخذها ؟ ثم ما هي المرتكزات التي ترتكز عليه أي تنمية بشرة ؟ و كيف يتم تقسيم و الحكم على هذه التنمية ؟
الفرع الأول: مجالات و أشكال التنمية البشرية.
تتعدد المجالات التي تستهدف التنمية البشرية الرفع من مستواها و المضي بها نحو الأفضل و سنحاول الإحاطة بهذه المجالات من خلال الفقرة الأولى و سنعمل على ذلك من خلال التقسيم التقليدي للمجالات التي عملت السياسات العامة على تطويها و هي أهم المجالات و تتقاطع في نفس الوقت مع جميع أوجه الحياة العامة و تتضمن الجوانب المتعلقة بالروح و الصحة و المال، و العلاقات، و كذلك المعرفة، أما أشكال التنمية البشرية التي سنتناولها في الفقرة الثانية ، فإننا سنعتمد التقسيم الثلاثي و الذي يتضمن جميع أنواع التنمية التي يمكن أن يتبناها أي مجتمع و هذا التقسيم يصف التنمية على أنها بقاء، أو نماء، و إما سبق .
الفقرة الأولى: مجالات التنمية البشرية.
        معظم الكتابات التي تتناول التنميةسابقا فإنها تتناولها من مجال دون أخر وهذه المجلات مجتمعة تكون مجال التنمية البشرية لأنه كما رأينا سابقا لا يمكن تنمية مجال وإهمال أخر, وسنركز على المجالات التالية: السياسي, الاقتصادي, الاجتماعي, الثقافي(1).
أولا: المجال السياسي؛ تعمل التنمية السياسية عل تكميل دراسة التأثيرات السياسية للتنمية البشرية والتي تهتم أصلاً بدراسة النظام السياسي من داخله, فهي تعمل ومن بين عدة أمور على تحقيق التكامل القومي من خلال إذابة الفوارق الإثنية والعرقية ، وكذا الأيدلوجية في بوتقة الوطنية, وفي إطار النظام السياسي الكفء، ذي الفاعلية والشرعية(2) القادر على أداء المهمات الأساسية للحكومة، وفقاً لردود فعل المواطنين ، والإيمان الشعبي بأن النظام السياسي القائم هو أكثر مما يلائمها.
 
 
-1 في إطار التنمية الذاتية يحدد المختصون – إبراهيم الفقي- مجالات التنمية كالتالي : (الجانب الروحي/ الجانب الصحي/ الجانب المالي/ الجانب العلاقاتي/ الجانب المهاراتي).
 -2  أنظر بخصوص الشرعية, جان ماري دنكان- ترجمة محمد عرب صاصيلا / علم السياسة / المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع / بيروت / ط I  /1992 / ص 117.
        ذلك أن النظام السياسي في معناه الضيق يعطي صورة تقريبية لصيغ الحكم المتبع للتحكم في الخيوط
المحركة لدواليب الدولة، ويدخل في هذه الصورة فقط الهياكل الرئيسية التي تقم عليها الدولة وكذا طبيعة العلاقة بينها, وهذه الهياكل والعلاقة بينهما تكون منصوص عليها في القانون الأسمى للدولة, أما المفهوم الواسع للنظام السياسي فيظم إلى جانب ما سبق ذكره عناصر أخرى عادة ما يكون لها دور أساسي في تحريك دواليب الدولة والمسك بزمام خيوطها(1).
        والتنمية السياسية هي: قدرة نسق سياسي معين على رصد مكمن الخلل والمشاكل المترتبة عليه في الحياة العامة للدولة وإيجاد الحلول الملائمة لها علماً فهي إذن عملية تستهدف التوجه نحو نسق سياسي يستطيع أن يواجه الأعباء التي يتعرض لها بشكل والتي يظهر ضررها بشكل عام, ويتضمن تطوراً في القيم ، مع زيادة في المشاركة السياسية, ومن أهم عناصر هذه التنمية السياسية هو " العدل " حيث يكون عاما وحق لجميع أفراد المجتمع دون اعتبار لمواقعهم السياسية، وكذلك قدرته على أداء مهامه بشكل يمكنه من الحفاظ على الاستقرار العام بالإضافة إلى تمايز الأدوار وتحوير الوظائف داخل المجتمع.
         ويربط البعض في تعريفه للتنمية السياسية بالتحديث السياسي؛ أي جعل الفضاء السياسي حديث, ويرتبط هذا المفهوم بتحديث المجال الاقتصادي و الاجتماعي وغرهم من المجالات المرتبطة يبعضها على أساس أن وضع الدول و الحكم هو عنصر حاسم في النمو الاقتصادي مع التركيز على العلاقة بين معدل النمو السياسي و مرحلة النمو الاقتصادي علاقة جدلية بحيث فكلما كانت البنية الاقتصادية نامية يكون المجال السياسي ناميا (2), إذن فهي البيئة السياسية المحركة لعملية التنمية البشرية, وبالتالي لابد من استحضار البعد الاقتصادي والاجتماعي والتاريخي كأحد متغيرات التحديث السياسي والمؤثرة فيه عند القيام بمحاولة إعطاء تعريف للتنمية السياسية. حتى نتمكن من فهم واقع التفاوت بين من يملك ومن لا يملك ومن بينهما في المجتمع الدولي القائم على اللا تكافؤ، وبالتالي تكون مفاهيم قادرة على المساهمة في تقديم سياسات عملية تفيد صناع القرار لتجاوز عقبات التنمية السياسية بشكل خاص والتنمية البشرية بشكل عام.
         ثانيا: المجال الاقتصادي؛  هي تكامل كافة القطاعات بهدف الوصول إلى وضع أفضل على كافة الأصعدة و القضاء على التخلف بكل مؤشراته وأسبابه وهي عملية يزداد بواسطتها الدخل الوطني ولا يمكن أن يتم هذا النمو إلا في إطار نمط إنتاج  محدد سلفا من خلال مجموعة من القوانين الاقتصادية تحدد لهذا النمط مساره بهدف انجاز مهامه ولأنها مرتبطة بالإنسان فهي تحتاج إلى معطيات بشرية سياسية واجتماعية وغيرها(3) , وينسجم هذا التعريف مع الفكر الاقتصادي الرأسمالي الذي يعتبرها عملية يزداد فيها الدخل الحقيق الوطني لمجتمع ما في مدة ما عادة تحدد في سنة واحدة على أساس أن معدل النمو الاقتصادي اكبر من معدل نمو السكان وبالتالي سيؤدي ذلك إلى الزيادة في نصيب الفرد من الدخل الوطني – نظريا- وهذه الزيادة يجب أن
 
 
1- الأزهر بوعوني / سلسلة مجلة علوم قانونية / الأنظمة السياسية والنظام التونسي/ مركز النشر الجامعي/ تونس/ 2002/ ص7.
2- عمر إبراهيم الفتحلي/ اتجاهات التنمية السياسية في ليبيا / المؤسسة الدولية للنشر والتوزيع / فلوريدا - و م أ / طI / 1982/ ص 24.
3- علي العطار- سلسلة العلوم الاجتماعية / التنمية الاقتصادية والبشرية / دار العلوم العربية / بيروت / ط I /2002103.
تكون مصاحبة لمراحل التنمية الاقتصادية وبالتالي فالزيادة المفاجئة في الدخل الوطني لأسباب خارج مخطط التنمية لا تدخل ضمن مفهوم التنمية الاقتصادية, هذا ولا يجب الاكتفاء فقط بتحقيق الزيادة الرقمية في الاقتصاد الوطني بل لابد من زيادة معنية أيضا ونقصد بها تحقيق قدرا من الاستقلالية للاقتصاد الوطني و التحرر من التبعية الاقتصادية بكل أشكالها مع مراعاة مجمعة من المقتضيات الإنسانية المتمثلة في العدالة التوزيعية لهذا الدخل الوطني بين جمع الطبقات المنتجة وإشباع حاجاتها الأساسية والاجتماعية(1) .
وقد ساد ولعدة عقود مصطلح التنمية الاقتصادية والذي يمثل النمو الاقتصادي محورها الأساسي وأعتبر معدل نمو نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي أفضل مقياس للتنمية ، وأعتبر العنصر البشري عنصرا إنتاجيا في حين نظر إلى النمو الاقتصادي على أنه غاية في ذاته وظهرت انتقادات لتركيز التنمية الاقتصادية على الجوانب الاقتصادية فقط ، وعدم إعطاء أهمية للجوانب الاجتماعية والإنسانية .
 وعرف مفهوم التنمية الاقتصادية تطورا جذريا, حيت سيركز على الإنسان ذاته وظهر مصطلح التنمية البشرية ليؤكد على أن الإنسان هو أداة وغاية التنمية حيث تعتبر التنمية البشرية النمو الاقتصادي وسيلة لضمان الرفاه للبشر, وقد فرض مصطلح التنمية البشرية نفسه في الخطاب الاقتصادي على مستوى العالم بأسرة وخاصة منذ بداية التسعينات(2).
         ثالثا: المجال الاجتماعي؛ أصبح مفهوم التنمية البشرية و منذ أكثر من 15 سنة الأكثر تداولا حيث أنه شمل العديد من جوانب التنمية التي كانت في السابق ينظر إلى كل منها على حدا ( كأهمية الحاكمة الرشيدة و المشاركة المجتمعية الواسعة على سبيل المثال) , و بالإضافة إلى شموليته هذه فانه مبني على معادلة بسيطة تتمثل في اكتساب الناس لقدرات من جانب و إتاحة الفرص ( الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية و الثقافية الممكنة لهم من أعمال قدراتهم تلك ) من جانب آخر.
        و لابد من التوقف عند قضية القدرات و اكتسابها, أي الشق الأول من المعادلة, لمعرفة الارتباط بين التنمية البشرية و التنمية الاجتماعية.
        فاكتساب القدرات ترتكز أساسا على توفر الحياة الصحية و المديدة  للإنسان , و على اكتساب المعرفة و التعلم بما فيه اكتساب المهارات , و الحصول على الموارد اللازمة لمستوى  معيشة لائق , و إذا لم تتح هذه الأساسيات , تكون إمكانية الناس في الحصول على فرص أخرى بعيدة المنال.
         و بما أن التنمية الاجتماعية بمفهومها الأوسع تتضمن عدة قضايا ( مثل القضاء على الجوع و سوء التغذية و توفير الحماية الصحية و القضاء على الأمية و حق الجميع في الثقافة و التعليم ) فإنها تعتبر من أساسيات تحقيق التنمية البشرية التي ترى ضرورة توفر الصحة و المعرفة و المهارات كأساس للانطلاق نحو الفرص الأخرى.
         ويمكن أن نجمل  أهداف  التنمية  الاجتماعية  فيما يلي :  تأمين  الشروط  الأساسية لحياة مستقرة بتوفير
 
 
 1– عزت عبد الحميد البرعي / استراتيجية التنمية الاقتصادية والاجتماعية / مركز المحروسة للنشر والتوزيع / القاهرة/ ط2004 / I  / ص92.
2 – أنضر الصفحة 3 وما بعدها من هذا البحت.
الرعاية والحماية والتكافل و تحقيق الكفاية من التعليم, والصحة, والشغل, ثم توفير الأمن الاجتماعي من خلال الحرية ودفع الظلم والحفاظ على مبدأ تكافئ الفرص, ثم إدارة التكامل وحل التوترات الاجتماعية التي يمكن أن تحدت بين مكونات الحياة الاجتماعية , ثم دعم العلاقات الاجتماعية والحفاظ على الكافل والتماسك الأسري, والأهم العمل على احتواء التكاليف الاجتماعية لهذه التنمية(1), و من هذه الخلفية السريعة و الملاحظات العامة حول مفهوم التنمية الاجتماعية و تطبيقاته سابقا و حاليا , مرورا باعتماد التنمية الاجتماعية كحق من حقوق الإنسان من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ نهايات الستينيات من القرن الماضي و ضرورة توفر أساسياتها للتنمية البشرية.
        رابعا: المجال الثقافي؛ تهتم التنمية البشرية في المجال الثقافي عموماً بإيجاد نوادي أدبية ومراكز ثقافية وجمعيات علمية والاهتمام بالحركة الإنتاجية للفكر من مطبوعات وكتب وصحافة وقصص وأشعار وتنشيط حركة الطبع, والنشر و توسيعهما, وهدفها غرس القيم الأخلاقية للتعامل بين الناس والتعامل مع البيئة وحراسة منجزات التنمية البشرية والدفاع عنها, إن المتغيرات الثقافية التي تدور حولنا تجعلنا نهتم بجانب التنمية في المجال الثقافي أكثر حتى نساير الأمم نحو التقدم.
        إن تنمية أي جانب ن الجوانب المحيطة بالبشر يعد أهم الأولويات في التنمية البشرية ويأتي في مقدماتها تلك المتصلة بفكر وثقافة الإنسان وتكلفتها تكون دائما اقل تكلفة, و يكون النجاح فيه واسع الأثر على المجتمع, ويمكننا من انتشال البلاد من أنقاض التخلف إلى بر التنمية(2)، على الرغم من أن التغير على هذا المستوى  يتم ببطء مقارنة بمجال أخرى, لكن على مستوى النتائج فإنه يتجاوز جميع المجالات وينعكس عليها بالإيجاب.
         لا شك أن الطاقات الإنسانية هي محور التنمية البشرية؛ أي أن التنمية تتحقق عندما تمتلك الأمة طاقات بشرية نوعية وكيفية وكمية وناشطة, وحتى لو كنا نطمح إلى إعطاء الأولوية في التنمية البشرية للجانب الاجتماعي أو الاقتصادية فإن أساسها يكمن في منح الأولوية للجانب الثقافي حيث كلما ارتفع عدد العلماء و الباحثين والمفكرين في مختلف المجالات فلا شك أننا سنحقق التنمية البشرية المنشودة بشكل متوازي على مختلف الأصعدة,  وكلما ارتفع حجم الوعي والإدراك عند المواطنين,  كلما كانت له دراية بحقوقه  و واجباته وقام كل فرد داخل المجتمع بدوره كما يجب,  وهذه العلاقة بين مستوى ثقافة المواطن ومعرفة حقوقه وواجباته علاقة جدلية, ومن أهم المداخل الأساسية للتنمية في المجال الفكري هو طرح السؤال, ويمتاز الإنسان بطرح التساؤل والشك والتدبر في ما حوله, وحين يعدم السؤال تعدم معه الثقافة والفكر, وحتى تتم التنمية في المجال الثقافي, لابد من ضمان ممارسة حق السؤال والتساؤل في كل مجال مع مراعاة مقتضيات وآداب السؤال والتساؤل, والفضاء المناسب لذلك(3).
        إن من الملاحظات المنقولة عن انشطاين قوله " لا يمكن حل المشكلات التي نواجهها بنفس مستوى
 
 
1- عبد الكريم بكار / مدخل إلى التنمية المتكاملة رؤية إسلامية/ دار القلم / دمشق/ طII  / 2001 / ص 245.
2- عبد الكريم بكار / المرجع السابق/ ص 48.
3- محمد خاتمي – ترجمة سرمد الطائي / التنمية السياسية والتنمية الاقتصادية والأمن / دار الفكر / دمشق / ط / Iماي 2002 / ص 47.
التفكير الذي كنا عليه عندما أوجدناها "(1). ادن فالمشاكل تتطور وتتعقد ولمواجهتها لابد من تطوير الفكر الذي ساهم في إيجاد تلك المشكلات حتى يواكبها ويتمكن من إيجاد الحلول اللازمة لها, ولابد من ملاحظة أن الثقافة والمعرفة والخبرة والتدريب أصبح أعظم قدرة وقيمة من الذكاء الفطري, نظرا لتقدم وتعقد المجال الثقافي على الصعيد العلمي, ولمسايرة ذلك أصبح لابد من تنظيم العمل في إطار فرق متخصصة, والعديد من المتخصصين يؤكدون أن التفوق والنجاح واحد بالمائة فطري, و تسعة وتسعون بالمائة تدريب وتكوين(2).    
        ولكن الإشكال يبقى مطروح على صعيد السياسة العامة, حيت عندما تترجم التنمية البشرية في المجال الثقافي إلى ميزانية واعتمادات مالية لا نجد في الواقع تلك الأهمية والحرص على النهوض بهذا المجال وهذا يفقد التنمية البشرية بشكل عام توازنها وشموليتها ومن الأسباب الحقيقية وراء ذلك هو أن العاملين في قمة جهازي المالية والتخطيط يغلب على تخصصاتهم الجانب الاقتصادي لذلك وجب تنمية ثقافة هؤلاء أولا.
الفقرة الثانية: أشكال التنمية البشرية.
بعد أن عرضنا المجالات التي تكون التنمية البشرية ذات فعالية و حركية أساسية و مطلوبة و بعد أن عرضنا الحاجة للتنمية البشرية في كل مجال على حدا، و حتميتها ، نأتي في هذه الفقرة على ذكر أنواع التنمية البشرية و التي نجدها – الأنواع – في كل مجال من مجالات التنمية البشرية ، و بشكل عام نجد أن التنمية البشرية إما تنمية بقاء،  وإما تنمية نماء،  وإما تنمية سبق (3)
و يقصد بالنوع الأول من التنمية البشرية ، ذلك الاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية و الملكات الفطرية للإنسان ، و عزائم الرجال ، حتى نتمكن من تحقيق الاكتفاء الذاتي في متطلبات الحياة الأساسية من طعام و شراب و كسوة واضعين نصب أعيننا الحفاظ على الطبيعة حتى تستمر في العطاء ، و هذا قصده حفظ النوع البشري ، و ذلك يتأتى بالفطرة ، فحسب ابن خلدون " الإنسان مدني بالطبع ؛ أي لابد من الإجماع الذي هو المدنية في اصطلاحهم و هو معنى العمران . و بيانه أن الله سبحانه و تعالى خلق الإنسان و ركبه على صورة لا يصح حياتها و بقاءها إلا بالغذاء ، و هداه إلى التماسه بفطرته و بما ركب فيه من القدرة على تحصيله"(4) .
         إذن من خلال ما سبق فإن البقاء و كما هو معلوم غريزة يشترك فيها جميع أنواع الكائنات الحية, و الإنسان بالفطرة يسلك السبل التي تساعده على البقاء و الاستمرار على قيد الحياة و في إطار هذا النوع من التنمية البشرية، نجد الإنسان يخطط و يستعمل عالم الأشياء لكي يحقق البقاء، و تلك الأشياء تصنع بأيدي الناس, ونجد هذا النوع في البلدان السائرة في طريق النمو، و يكون استخدام الأشياء، بشكل بسيط للغاية و إذا ما رجعنا إلى ابن خلدون نجده يتحدث عن تلك الوسائل من أجل العمران البشري ، إذ يقول " و لو فرضنا منه أقل ما يمكن فرضه وهو قوت  يوم من الحنطة مثلا،  فلا يحصل إلا بعلاج  كثير من الطحن والعجن  و الطبخ ، و كل
واحد من هذه  الأعمال  الثلاثة  يحتاج  إلى  مواعين و آليات لا  تتم  إلا بصناعات  متعددة  من  حداد  و نجارو
- 1ستيفن كوفي – ترجمة هشام عبد الله / العادات السبع للقادة الإداريين / المؤسسة العربية للدراسة والنشر/ بيروت / طI  / 1990/ ص37.
2 - دين كيت سايمنتن – ترجمة شاكر عبد الحميد / سلسلة عالم المعرفة / الكويت / عدد 176 / 1994/ ص127.
-3 موقع إسلام أون لاين على الأنترنيت.
- 4عبد الرحمان ابن خلدون / المرجع السابق / ص 33.
فاخوري، هب أن يأكله حبا من غير علاج ، فهو أيضا يحتاج في تحصيله حبا إلى أعمال أخرى أكثر من هذه ، من الزراعة و الحصاد و الدراس الذي يخرج الحب من غلاف السنبل " ((1 .
و من خلال قول ابن خلدون لا يستخدم ذلك في السياق الذي نحن بصدده, فإنه واضح أنه في المجتمعات التي تعتمد الزراعة بشكل يسير جدا و بشكل بسيط، دون أن تكون تلك الزراعة صناعية، و إذا كانت طبيعة العمل في هذا الشكل من التنمية البشرية كذلك ، فكيف يمكن أن نتعامل معه حتى ينقلنا إلى النوع الثاني من التنمية، وحتى نجيب على السؤال المطروح نأخذ النموذج التالي: في منطقة تتوفر على أرض زراعية جيدة (2)، و إن كان المثال يطرح موضوع الزراعة، فإن هذا النوع من التنمية قد يشمل نوع آخر من النشاط الإنساني، لكن ما يحدد هذا النوع هو الوسائل المستعملة فيه و حتى البشر فإن تكوينهم لا يكون عاليا بالشكل المطلوب في النوعين الآخرين – تتوفر على الماء، و الأرض الجيدة، فإنه يجب رسم خطة عمل بشكل يساعد على تحقيق تنمية بشرية تساعد على البقاء، سواء كانت أنشطة زراعية تعتمد على زراعة الأرض, وجني المحصول أو تصنيع منتجات زراعية، تربية المواشي إلى غير ذلك مما ينسجم مع المنطقة، و حينئذ يجب أن يرافق ذلك برنامج تعليمي محلي بشكل يساعد التلميذ ابن المنطقة على التفاعل الإيجابي و المسؤول مع وضعه و محيطه, و يساهم في تطويره، و ذلك البرنامج ينبغي أن يكون قادرا على تأهيل ذلك التلميذ بشكل يمكنه من التعلم والتكوين، التعلم إن هو أراد أن يكمل دراسته و يلج المعاهد و الجامعات, ثم التكوين إن هو أراد أن يلج سوق الشغل وبطبيعة الحال في سوقه المحلية، و بالتالي نكون قد طورنا قطاعا معينا, و ساهمنا في رفع مرد وديته، و أهلناه لخلق فرص الشغل، ثم نقضي بذلك على الهجرة القروية, و الهجرة السرية, و ما يترتب عنهما من أضرار, و مشاكل اجتماعية لا حصر لها, و لا حد لانعكاساتها الخطيرة على المجتمع .
         الشكل الثاني وهو: تنمية النماء, الذي ينتج عن تطوير و تأهيل النوع الأول و يقصد بهذا النوع من التنمية البشرية التي تتطلب تجاوز الوسائل و الآليات البسيطة، و ذلك من خلال تبني الأشياء والآليات السائدة في الحضارة المعاصرة، و خاصة الضروري منها لتحقيق نوع من النمو المطرد و ذلك بشكل يضمن التقدم شيئا فشيئا، مما يتعلق بوسائل الدفاع ، و استخراج الثروات الطبيعية التي نتوفر عليها في أوطاننا و تصنيعها و تطويرها، و ما يرتبط بذلك من برامج تعليمية و بحثية متخصصة بتقنية عالية و جودة مثالية،  وعادة ما يصاحب هذا النوع  من  إضرار بالبيئة و تدهورها، و لذلك يجب الحرص على الاستفادة من الموارد الطبيعية واحترام والمحافظة على البيئة.
          و يمكننا أن نوضح هذا المشهد، أي الانتقال من تنمية البقاء إلى تنمية النماء،  من خلال ما جاء في كتاب المقدمة لابن خلدون حيث يتحدث عن نشوء الحضر أو المدينة وكيف يسبقه نشوء البدو و يقول  في  ذلك : "  قد ذكرنا أن البدو هم المقصرون على الضروري  في أحوالهم، العاجزون عما فوقه، وأن الحضر المعتنون
 بحاجات الترف و الكمال في أحوالهم و عوائدهم، و لا شك أن الضروري أقدم من الحاجي و الكمالي و سابق
 
 
-1عبد الرحمان ابن خلدون / المرجع السابق / ص 33.
-1 موقع إسلام أون لاين على الانترنيت.
عليه، لأن الضروري أصل و الكمالي فرع ناشئ عنه.  فالبدو أصل للمدن و الحضر و سابق عليهما لأن أول مطالب الإنسان الضروري ، و لا ينتهي إلى الكمال و الترف إلا ذا كان الضروري حاصلا. فخشونة البداوة قبل رقة الحضارة . و لهذا نجد التمدن غاية للبدوي يجري إليها، وينتهي بسعيه إلى مقترحه منها. و متى حصل على الرياش الذي يحصل له به أحوال الترف و عوائده عاج إلى الدعة ، و أمكن نفسه إلى قيادة المدينة"((1. إن ابن خلدون في هذه العبارة يؤكد على أن البدو و كل ما يمثله من أنشطة بسيطة و أعمال يدوية بدائية ووسائل بسيطة ، سابقة على الحضر بما يمثله من ترف و بذخ ودعة ،يمكننا إذن القياس على ذلك و القول إن الإنسان بعد أن يكون قد تمكن جيدا من تنمية البقاء و استنفذ وسائلها و تمكن من سبر أغوارها ، ثم بدأ يتدرج في مراتبها ، حيث يكون أقرب إلى تطويرها و الانتقال من المستوى الأول البدائي إلى المستوى الإنمائي التطوري ، و القاعدة التي ينبغي أن يحرص عليها من هو في طور تنمية النماء هي أن لا يتبنى أشياء غير قادرة على صنعها و ابتكارها ، أو خدمات يصنعها له غيره ، و من تم ينبغي أن يكون معدل النمو في عالم الأشياء أبطأ من التقدم العلمي و التقني ، إلا في الحالات الضرورية التي ينبغي ألا تزيد عن نسبة ضئيلة ، تتجه معظمها إلى قضية الدفاع و العلاج حتى لا يتحول الإنسان أو المجتمع إلى مجتمع استهلاكي ، يعيش على ما يقدمه له الآخرون ، فبعد أن استطاع البقاء على الوجود بحضارة يكون همه هو الاستهلاك ، و تجد مجتمعه يعج بالعديد من الخدمات و السلع ، و التكنولوجيات لا يعرف عنها شيئا ، و لا يستفيد منها بالقدر الذي يستفيد من صانعها .
و تستطيع برامج تنمية النماء أن تعمل على تطوير آليات تنمية البقاء ، من خلال البحوث المتقدمة التي تهتم بتطوير تلك الآليات المستعملة ، و ابتكار أساليب جديدة لحكامة الموارد الطاقية و تحسين الأنواع و تجاوز الصعوبات و القضاء على الأمراض ، و أيضا تأمين عمليات التكامل بين الأنشطة المختلفة في تنمية البقاء, فمثلا تستطيع المخططات المبرمجة في إطار تنمية النماء ، وارتباطا بالمثال الأول في النوع الأول من التنمية أن تعمل على تصميم بناء طواحين هوائية  تساعد على رفع المياه من الجوف, و تساعد على توليد الطاقة الكهربائية, بحيث يمكن بناء تلك الطواحين الهوائية في ورش صغيرة مما يندرج ضمن تنمية البقاء, حيث تعتمد تلك الصناعة على وسائل و آليات بسيطة ، لكنها تساهم في تطوير التنمية لتصبح تنمية النماء ، كما يمكن ابتكار أنواع جديدة من الزراعات,  و جلب بعض المزروعات التي لم تكن موجودة قبل, و العمل على توفير الجو و المناخ اللازم لنموها وزراعتها, و ذلك عبر البيوت البلاستيكية التي يمكن بناؤها و صناعتها في ورش بسيطة, مما يندرج ضمن النوع الأول من التنمية ، كما يمكن تطوير الآلات المستعملة في الزراعة ، و يمكن بناء سدود صغيرة تعمل على مد الأرض الزراعية بالماء ,  و كل ذلك لا يمكن عمله و القيام به إلا من خلال مؤسسة علمية لها خلايا متعددة, و متخصصة في هذه الميادين,  والتي لا يمكن توفيرها إلا من خلال نوع من التنمية المتقدمة ، و ما يستدعي ذلك من إجراءات تعليمية, و تأهيلية,  تستدعي برامج  و معاهد متخصصة  و عليا ((1, لنصل في الأخير إلى إمكانية إنشاء  و بناء الهياكل  و الظروف  اللازمة لانطلاق الاشتغال في إطار تنمية البقاء.
 
 
-1 عبد الرحمان ابن خلدون / المرجع السابق / ص 97 و 98.
        أما النوع الثالث : التنمية الاستباقية، و يقصد بها مجموع العمليات المخططة و المبرمجة التي تقوم بتحريك كافة الوسائل و الآليات البشرية و المالية و اللوجيستية على كافة المستويات و على جميع الأبعاد ،  انطلاقا من خلفيات ثقافية و تاريخية من أجل خلق مواقع متقدمة داخل العالم في أحد المجالات الصناعية ، أو التجارية، أو الخدماتية، إلى غير ذلك من المجالات، و السبق في الاختراعات و الاكتشافات ضمن ذلك المجال التي يكون بداية و تمهيدا للتنافس و إيجاد موطئ قدم بين الدول المتقدمة,  و هذا النوع من التنمية يعتمد على في انطلاقته على أرض صلبة تتكون تاريخ و حضارة الأمم، و ننطلق من المغرب و نستعين في ذلك بكتاب ابن خلدون المقدمة على مستوى الباب الخامس من الكتاب الأول، حيث يقول " و عجم المغرب من البربر، مثل العرب في ذلك لرسوخهم في البداوة منذ أحقاب من السنين. و يشهد لك بذلك قلة الأمصار بقطرهم كما قدمناه . فالصنائع لذلك قليلة و غير مستحكمة, إلا ما كان من صناعة الصوف في نسجه، و الجلد في خرزه و دبغه، فإنهم لما استحضروا بالغوا فيها المبالغ، لعموم البلوى بها و كون هذين أغلب السلع في قطرهم، لما هم عليه من حال البداوة " ((2.
         إذن هذا ما كان عليه حال الصناعة في بلد المغرب قديما, حيث لم تكن الصناعات كثيرة و لا مستحدثة, وبالرغم من ذلك فالمغرب كان دائما رائدا في صناعة الصوف و الجلد, و كان أهم مصدر لهما في المعمور, نعم لقد تراجع مستوانا في ذلك لكن يمكن الاستفادة و النهوض من جديد في هذا القطاع بالاعتماد على الموروث الحضاري المغربي في هذا المجال،  ثم إن المغاربة بعد ذلك تفوقوا في بعض المجالات الأخرى  كصناعة السفن، و الملاحة، و الدليل على ذلك ما أبلاه أجدادنا المغاربة من خلال الجهاد البحري و الإشراف على الملاحة على طول السواحل المغربية بامتياز، إذن يمكننا في المغرب أن نعيد الاعتبار لهذه الصناعات و خاصة الجلد و النسيج و نعمل على تطويرها، و تحسين الظروف اللازمة لتأهيلها حتى نتمكن من تحقيق السبق في هذا المجال ولما لا سبق التنين الصيني، الذي يمكننا من إنارة الطريق أمامنا في المستقبل لتحقيق السبق في ميادين أخرى .
        إن المغرب بفضل موقعه الاستراتيجي العالمي المطل على البحر الأبيض المتوسط و عبره إلى أوروبا و كذلك المحيط الأطلسي - بحر الظلمات - و إلى القارة الأمريكية، و الذي ظل عبر التاريخ مستعصيا على الاستعمار رفض الخضوع حتى للوصاية المشرقية ، و كذلك رفضه للحماية و الاستعمار الفرنسي حتى في أضعف فتراته هذا البلد الذي كان سدا منيعا و بابا موصدا في وجه الاستغلال الأوروبي للقارة السمراء, سيبقى عزيزا على كل ذلك، و يمكنه أن يستعيد مكانه العظيم بين الأمم بالاعتماد على حضارته و ثقافته الخلاقة المبدعة، إن ما ينقصنا لتحقيق ذلك فعلا هو الاعتزاز بتاريخ الأجداد وإعادة قراءته بطريقة تجعل المغاربة يحبون الانتماء لوطنهم يعتزون بذلك ، يربطون وجودهم بوجوده بطريقة تمكنهم من معرفة من هم المغاربة الذين انتصروا في معركة الزلاقة وانتصروا في معركة وادي المخازن و الذي تكالبت عليهم فرنسا و إسبانيا
 
 
-1 موقع إسلام أون لاين على الإنترنيت.
 -2عبد الرحمان ابن خلدون / المرجع السابق/ ص 318.
من أجل توقيف زعيمهم المجاهد عبد الكريم الخطابي، ألا تتفقون معي أنه إذا استطعنا رسم هذه الصورة في ذهن الأجيال اللاحقة و حتى القائمة, يمكننا بالفعل أن نبدأ الخطوة الأولى في التقدم و الرقي, و العودة إلى الصفوف الأمامية بين الأمم.
إذن يمكن الاتفاق على هذا التقسيم الذي يقسم التنمية البشرية إلى ثلاثة أنواع ، و أنه لكل نوع ظروفه ووسائله التي تمكن تطبيق عملياته ، و أن كل نوع يساعد في بناء النوع الذي يليه, بقيت إشارة بسيطة إلى أنه يمكن أن تكون لنا الأنواع الثلاثة في آن واحد داخل المجتمع, إذ لابد من تلك المستويات المختلفة داخل المجتمع الواحد ، لأنه لا يمكن أن يكون الناس على مرتبة واحدة في جميع الميادين ولابد من تفاوتات ، لكن بشكل يكون مقبولا غير صارخ .
هذا فيما يخص أنواع التنمية البشرية،  فما هي إذن مرتكزات التنمية البشرية ؟ و ما هي المؤشرات التي يمكن من خلالها الوقوف على مدى تحقيق أمة ما للتنمية البشرية، و ما هي نسب تحقيقها ؟ هذا ما سنتطرق إليه بالبحث خلال الفرع الثاني.
الفرع الثاني : مرتكزات التنمية البشرية و مؤشراتها:
يمكننا القول أن المشهد النظري لمفهوم التنمية البشرية بدأ يكتمل شيئا فشيئا ، لكن ملامحه و تقاسيمه ، ما زالت لم تأتي بعد ، و هي ما سنعمل على تحديده و توضيحه خلال هذا الفرع ، و ذلك من خلال دراسة الأسس التي ترتكز عليها عملية التنمية البشرية و فحص مدى أهمية هذه المرتكزات بالنسبة لأي تنمية بشرية كيفما كان نوعها و قدر ما كان حجمها ، ثم ننتقل إلى الفقرة الثانية لندرس المؤشرات و الأرقام التي يتم الاعتماد عليها للحكم على الأمم في حجم تنميتها البشرية و ترتيبها في شكل سلم الأكبر حجما ثم الذي يليه ، و سنحاول إجراء قراءة في المؤشرات المعتمدة من قبل الأمم المتحدة و كشف الإشكالات التي تطرحها في هذا الصدد بالاعتماد على باحثين متخصصين في دراسة الأرقام ، و قراءة المؤشرات.
الفقرة الأولى: مرتكزات التنمية البشرية.
         باعتبار التنمية البشرية عملية هادفة, تتم على مستويين في آن واحد- المستوى الأول يهتم بالنمو المتعلق بالإنسان كفرد ، وذلك بتنميته الروحية, والصحية, والمالية, والمهاراتية, وكذلك العلاقاتية. بينما المستوى الآخر يشكل مجموع العمليات التي تستهدف الإنسان كجماعة من الأفراد الذين يشكلون الشعب في الدولة,  وذلك باستمرار الموارد و الأنشطة سواء الاقتصادية ، أو السياسية, و غيرها من المدخلات من أجل توسيع خيارات البشر- لابد أن ترتكز على أسس علمية ومنهجية في تنفيذها, وأهم هذه المرتكزات نجد: التخطيط الإستراتيجي, الرقابة, تقييم الأداء للعاملين.
         * التخطيط الإستراتيجي: التخطيط عبارة عن عملية شاملة تتضمن تحديد الأهداف و البرامج بوضوح, وكل الوسائل التي تؤدي إلى تحقيق الأهداف متضمنة الإستراتيجيات, السياسات, الإجراءات, القواعد, الآليات, الجداول الزمنية, التمويل, والخطة بشكل عام تشكل وسائل لتحقيق الأهداف, وتستهدف عملية التخطيط الإستراتيجي المستقبل الذي يكون لعنصر الزمن دور جوهري في تحديد عناصرها, الذي يكون المتغير فيه أكتر من التابث وهي عملية احتمالية لأنها تقوم على افتراضات إستباقية تحدد على أساسها بدائل للتحرك ومواجهة الأحداث المستجدة بناء على سياسة التخطيط وليس سياسة الترقيع(1).        
        وبالتالي فالتخطيط الإستراتيجي هو العملية التي يتم من خلالها تنسيق موارد المؤسسة مع الفرص المتاحة لها وذلك على المدى الطويل أو المتوسط والقصير، والخطة الإستراتيجية هي خطة عمل شاملة تهدف المؤسسة من خلالها إلى تحقيق الأهداف الموضوعة و توقع المتغيرات المفاجئة ووضع خطط بديلة لموجهتها.
         وتحكم عملية إعداد الخطة الإستراتيجية قواعد حاكمة, وخطوط مرشده في اتخاذ القرارات تنبع من الإجابة على التساؤلات التالية: ما هي مؤسستنا؟ وأين هي؟ ما الذي يجب أن تكون عليه؟ وأين يجب أن تكون؟ كيف يمكن تحقيق ذلك؟وقبل إيجاد الإجابة لتلك الأسئلة يجب تحديد رؤية المؤسسة ورسالتها(2), وبعد ذلك تأتي عملية توفير عناصر التخطيط الإستراتيجي التي يمكن إجمالها فيما يلي: وضع الإطار العام للإستراتيجية, دراسة العوامل البيئية الخارجية المحيطة بالمؤسسة وتحديد الفرص التي تتيحها والمخاطر التي تفرضها، وكذلك العوامل الإدارية والتنظيمية الداخلية وتحديد ما تتضمنه من نقاط القوة والضعف, تعريف الغايات ووضع الإستراتيجيات البديلة والمقارنة بينها واختيار البديل الإستراتيجي الذي يعظم من تحقيق الغايات في ظل الظروف المحيطة, وضع السياسات والخطط والبرامج والموازنات حيث يتم ترجمة الغايات والأهداف الطويلة الأجل إلى أهداف متوسطة وقصيرة الأجل ووضع البرامج الزمنية لتحقيقها, تقييم الأداء في ضوء الغايات والأهداف والخطط الموضوعة ومراجعة وتقييم هذه الخطط في ظل الظروف المحيطة, استيفاء المتطلبات التنظيمية اللازمة وتحقيق تكيف التنظيم مع التغيرات المصاحبة للقرارات الإستراتيجية. وقد تصادف عملية التخطيط عوائق نجملها فيما يلي: عدم التأكد مصادر التمويل وتعقيد مساطره وشروطه, عدم رغبة السلطة العليا في المؤسسة في الإفصاح عن طبيعة التغيرات الهيكلية المطلوبة خاصة عندما يكون في هذه التغيرات مساس بمصالح سائدة مما يؤدي إلى التضارب في عملية التخطيط وعدم وضوح الأهداف, عدم وضوح المسؤوليات في مختلف وحدات المؤسسة, انشغال المستويات الإدارية العليا بالمشكلات الروتينية اليومية وإهمال المشكلات الإستراتيجية التي تتعلق بتطور المؤسسة على المدى الطويل, تميل الإدارة إلى أن تقبل نظام التفكير أو التخطيط الإستراتيجي في أوقات الأزمات ولكن عندما تنتهي الأزمة يتم الرجوع إلى النظام التقليدي, الاعتقاد أو الافتراض أن التخطيط الإستراتيجي هو مسؤولية جهة متخصصة في التخطيط وليس مسؤولية كافة المستويات الإدارية, وضع نظـم جديـدة دون مشاركة الأفـراد فيها أي دون تهيئة الثقـافة المؤسـسية الموائمة لهذه النظم, عدم توفر نظام معلومات متكامل وديناميكي, عدم تشجيع التفكير ألابتكاري إجمالاً بسبب سيطرة النمط البيروقراطي في الإدارة, وعملية التخطيط الإستراتيجي تمر بمراحل مهمة نجملها في العوارض التالية:
- المرحلة الأولى: الإعداد للتخطيط؛تتضمن تحديد فريق التخطيط, وتحديد المسؤوليات, وتوزيع الصلاحيات على أعضاء الفريق,  وتحديد المدة الزمنية اللازمة  لإنجاز مشروع  الخطة,  والبدء بتجميع  البيانات المطلوبة
 
 
1- محمد فتحي / 766 مصطلح إداري / دار النشر والتوزيع الإسلامية / القاهرة / 2003 / ص 26.
2- أنظر بهذا الخصوص, صلاح الراشد / كيف تخطط لحياتك / شركة مطابع المدينة / الكويت / 2004/ ص 59.
وترتيبها وتصنيفها,  ثم دراسة ظروف العمل المحيطة,  والتعرف على خطط التنمية البشرية للدولة، وضمان مشاركة جميع المتدخلين والتزامهم بعملية التخطيط.
- المرحلة الثانيـــة: دراسة الثقافة التنظيمية للمؤسسة وقيمها, وتحديد رؤية المؤســـسة ورسالتها وأهدافها المستقبلية بمشاركة فاعلة وإشراف مباشــر من الإدارة العليا.
- المرحلة الثالثة: تحديد واختيار خطـة وإستراتيجـية العمل.
- المرحلة الرابعة: تقييم الأداء المؤسسي من خلال دراسة وتحليل وتقييم الأداء الحالي ونقاط الضعف والقـوة وفرص التحسـين والتطـوير والمخاطر المتوقعـة لكل مجال من مجالات العمل الرئيسة.
- المرحلة الخامسة: تجميع خطط العمل توحيدها.
- المرحلة السادسة: إعداد سيناريوهات وخطط بديلة لتطبيقها في الحالات الطارئة.
- المرحلة السابعة: تنفيذ الخطة, و متابعة التنفيذ وتقييم مدى التقدم في الإنجاز.
        * الرقابة: بعد عملية التخطيط ووضع خطة إستراتيجية وبدء تنفيذها تأتي عملية الرقابة, وتعني في هذا الصدد وظيفة إدارية تعنى بقياس وتصحيح أساليب الأداء للمرؤوسين, من أجل التأكد من أن أهداف المؤسسة وخططها التي وضعت لتحقيق هذه الأهداف قد نفذت, وتقرير ما إدا كانت الخطط التي وضعت قد تم اعتمادها في التنفيذ, وما إدا كان هناك تقدم فعلي نحو تحقيق الأهداف, والتحرك لتصحيح الانحرافات والأخطاء. كما يمكن تعريفها بأنها: مجهود تقوم به الجهات المسئولة يشمل الملاحظة المستمرة للأداء, وقياس النتائج الفعلية واستخراج مؤشراتها بحيث يمكن مقارنتها بالمعايير الموضوعة لتحديد الانحرافات عن الأهداف المسطرة, أو توقع حدوت هذه الانحرافات ومعرفة أسبابها, تم تحديد انسب التصرفات العلاجية والتصحيحية التي تحقق الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة للتنظيم لتحقيق أهدافه, كما تساعد على التحقق من أداء الأنشطة بالكيفية المحددة لها طبقا للإجراءات, والأنشطة التي تحكم أداء العمل الإداري العام, وكذلك تمكن من التحقق من أن التنفيذ يسير في اتجاه الأهداف الرئيسية المحددة, وتهدف إلى الوقوف على نواحي الضعف, والأخطاء, ومن ثم العمل على علاجها, ومنع تكرارها, وتستهدف كل شيء سواء الأفراد أو الأعمال أو الأفكار(1).
        والرقابة عبارة عن نظام فرعي يتكامل مع الأنظمة الأخرى لتكون نظام شامل, على, اعتبار أن المؤسسة تمثل نظاما شاملا يضم مجموعة من الأنظمة الفرعية التي تتفاعل وتتكامل فيما بينها لتحقيق الهدف الرئيسي للنظام الشامل, كما يرتبط نظام الرقابة بنظام المعلومات ونظام التخطيط في المؤسسة, ويتكون نظام الرقابة من ثلاثة أجزاء رئيسية هي المدخلات والعمليات والمخرجات, ويرتبط بالمدخلات المعلومات المتعلقة بسير التنفيذ الفعلي, ووسائل ومعايير الرقابة, والتي تتمثل في الأهداف, والسياسات , والخطط, وبرامج العمل, ووحدات القياس, وما يتعلق بها من قرارات وأوامر إدارية, وتتمثل عمليات الرقابة في تحديد المعايير المناسبة لعمليات القياس لنتائج  التنفيذ الفعلي, وعمليات التقييم,  والمقارنة,  وتحديد الانحرافات,  و التمييز بين العادي  وغير العادي منها, والأسباب المؤدية إليها, أما المخرجات فتتمثل في الانحرافات عن النتائج المقدرة, وأنواع تلك الانحرافات, والأسباب المؤدية إليها, والتوصيات ومقترحات الحلول للتغلب عليها, وسنعمل على توضيح خطوات المراقبة من الخطاطة التالية:
 
 
 
 
1– محمد فتحي / المرجع السابق / ص 290.

المعايير الرقابية

 
تحقيق الهدف المطلوب

الأداء الفعلي

تصحيح الانحرافات

متابعة عملية تصحيح الانحرافات كما, ونوعا, وزمنا, وتكلفة.

لا توجد انحرافات

توجد انحرافات

التخطيط

التنفيذ

مقارنة

متابعة مستمرة

توقف

إعادة نظر وتعديلتسين 

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
                      
خطاطة توضح خطوات المراقبة (1).
       
        * تقييم الأداء للعاملين: و يقصد بتقييم أداء العاملين والعاملات؛ قياس كفاءتهم وتحليلها, وتقييم أنماط ومستويات أدائهم وتعاملهم, وتحديد درجة كفاءتهم الحالية والمتوقعة كأساس للتقويم؛ أي ترشيد هذه الأنماط والمستويات, وهكذا فالتقييم بما يهيئه من معلومات عن نقاط القوة والضعف من فترة لأخرى يعد وسيلة للتقويم؛ أي الترشيد والتحسين, من خلال تعظيم نقاط القوة وتضييق أو محو نقاط الضعف.
        مجموعة من القواعد يستند عليها تقييم الأداء من خلالها يصبح فعالا عند تقييم أداء الأفراد نجمل هذه القواعد في: استخدام معايير ومفاهيم موضوعية موحدة لقياس وتقييم العاملين في العمل الواحد أو المجموعة الوظيفية المتجانسة بما يكفل وحدة وموضوعية القياس والتقييم, تم تأصيل مفهوم التقييم أنه ليس تصيدا للأخطاء أو اتهاما أو تجريحا لشخص الفرد, وإنما هو تعرف على نمط ومستوى أدائه الفعلي مقارنا بالأداء المستهدف أو المفترض لتحديد ما قد يتواجد من قصور ومساعدة الفرد على تداركه, وتوفير نظام فعال للاتصال بين الرؤساء والمرؤوسين على اختلاف مستوياتهم يتيح النقل الواضح والسليم لمفهوم وأهداف ومعايير التقييم للمرؤوسين, وكذا نقل أراء وتبريرات المرؤوسين لرؤسائهم, إدراك الرؤساء والمرؤوسين لمفهوم و أهداف ومعايير التقييم, وإيمانهم بفعاليتها بحيث يسهل على الرؤساء تطبيق هذه المعايير, ويدرك المرؤوسون موضوعيتها وفعاليتها في
 
 
1-  محمد فتحي / المرجع السابق / ص 292.
تنميتهم الذاتية, استفاء المعلومات عن أداء الأفراد من مصادرها الأصلية المعتمدة مثل الفرد نفسه ورئيسه المباشر, وعند تقييم الرئيس يمكن الاعتماد على أراء مرؤوسيه وذلك دون الاستماع إلى الأقاويل أو الإشاعات التي قد تؤثر على عملية التقييم, إشراك المرؤوس في عملية تقييمه من خلال ملئ الاستمارة مثلا.
        مكونات ومراحل نظام تقييم الأداء؛ هي عملية تتمثل مكوناتها أو مراحلها في تحديد أهداف التنظيم, تحديد أهداف ومجالات التقييم, تحديد معايير التقييم, تحديد انسب طرق التقييم, تقديم وشرح طريقة التقييم للرؤساء والمرؤوسين, تدريب الرؤساء على التقييم بما يضمن فاعلية وعدالة تقييم الأداء, تقييم وتقويم الطريقة أو الطرق المستعملة في التقييم(1).
        هذا بشكل عام أهم مرتكزات التنمية البشرية وبشكل عام مرتكزات أية عملية هادفة بالإضافة إلى مرتكزات أخرى لا يتسع المجال لتفصيلها. ادن هذه هي المرتكزات فما هو الشأن بالنسبة للمؤشرات التي ستمكننا من معرفة ما مدى بلوغ مجتمع ما في التنمية البشرية, هذا ما سنتطرق إليه في الفقرة الموالية.
الفقرة الثانية: مؤشرات التنمية البشرية.
سنتناول هذه الفقرة بالدراسة من خلال مستويين: الأول سنحدد فيه المفاهيم الاصطلاحية للمؤشرات المستعملة، و المستوى الثاني سنعمل على تبيان كيفية حساب بعض المؤشرات، و سنقتصر على مؤشر التعليم في صفوف البالغين، ثم معدل الحياة المتوقع عند الولادة، و أخيرا مؤشر الناتج القومي الداخلي.
كثيرة هي المؤشرات المعتمدة من طرف المؤسسات المختصة في التنمية البشرية و التي تعمل من خلالها على تصنيف الدول وترتيبهم حسب المستوى الذي تم التوصل إليه، ويأتي في مقدمة هذه المؤشرات ((2 ، أمل الحياة عند الولادة: و يقصد به المعدل المتوسط من السنوات التي من المتوقع نظريا أن يحياها المولود الجديد إذا ما تم الأخذ بعين الاعتبار نفس الظروف و المناخات ملازمة له طوال أمد حياته : أي المولود الجديد .
نسبة التعلم في صفوف البالغين: و هي النسبة المئوية من الأفراد الذين لهم القدرة على القراءة و الكتابة و الفهم لنص قصير، بسيط له علاقة بالحياة اليومية و المعيشية لألئك الأفراد، و الذين يجب أن تساوي أعمارهم 15 سنة أو تفوقها.
النسبة الخاصة للتمدرس: و هي النسبة المئوية لإجمالي عدد الأفراد المسجلين في التعليم ضمن مستوى من مستوياته سواء كان منهم يسمح بذلك أم لا بالمقارنة مع مجموع الأفراد المنتمين لنفس الشريحة العمرية التي من حقها القيد في ضمن ذلك المستوى المدروس .
الإنتاج الداخلي الخام: و هم مجموع الإنتاج المحصل من السلع و الخدمات الاقتصادية المنتجة من طرف الأفراد المتواجدين داخل الوطن، سواء كانوا مواطنين، أو رعايا أجانب، و ذلك على مستوى الاستهلاك النهائي.
الإنتاج الداخلي الخام: و نحصل عليه بإضافة التحويلات الصافية للمداخيل من الخارج إلى الداخل من طرف المساهمين غير المقيمين ، و الذين غالبا يكونون مهاجرين خارج حدود الوطن .
 
 
1- محمد فتحي / المرجع السابق/ ص308.
2- محمد نجيب بوليف / المرجع السابق / ص 106
الناتج الخام الفردي: و نحصل عليه عندما تقسم أحد الناتجين السابقين على مجموع عدد المساهمين و هذا المؤشر لا يعطي حقيقة التنمية البشرية كما سنبين لاحقا.
مؤشر الفقر: و يقصد به مستوى الدخل الفردي الذي يكون الحد الفاصل بين إمكانية الإنفاق و عدمها ، بحيث إذا تم توفير ذلك القدر أمكن للإنسان الحصول على حاجياته الضرورية و إذا غاب ذلك المستوى لم يمكنه ذلك.
الخدمات الأساسية : و يعطي هذا المؤشر فكرة على مستولى الخدمة الصحية من خلال أرقام تعكس عدد الأفراد الذين بإمكانهم الولوج إلى المرافق الصحية في نطاق محيط جغرافي لا يتعدى مداه ساعة من الزمن للوصول إليه, و نفس الشيء بالنسبة للاستفادة من الماء الصالح للشرب والحصول عليه بطريقة معقولة، و كذلك الاستفادة من قنوات الصرف الصحي للتطهير من الفضلات المنزلية .
المعدل العام للخصوبة : و هم نسبة أو عدد الأطفال الذين يمكن لكل امرأة في وضعية الإنجاب أن تلدهم في حياتها الإنجابية كاملة.
معدل وفيات الأطفال: و هو عدد الأطفال الذين يفارقون الحياة قبل أن يتموا السنة الأولى لكل 103ولادة أتمت السنة الأولى كاملة من حياتها.
معدل الوفاة أثناء الولادة: و هم عدد النساء اللواتي يفارقن الحياة خلال السنة لأسباب متعلقة بالولادة، و ذلك مقارنة مع 105 ولادة موفقة.
معدل الوفيات الخام: و هو عدد الوفيات خلال السنة بالنسبة لكل 103شخص.
معدل الولادة الخام: و هو عدد الولادات خلال السنة بالنسبة لكل 103شخص.
نسبة استعمال موانع الحمل: و هي نسبة النساء المتزوجات اللواتي في سن الإنجاب و يستعملن سائل منع الحمل، سواء من أو أزواجهن، و سواء كانت الوسائل عصرية أو تقليدية.
مؤشر مصاريف التغطية الاجتماعية: و هي المصاريف المرصودة لمساعدة ذوي الحاجات الخاصة, كالأيتام و المعاقين, و الشيوخ.
مصاريف الصحة: و هي نفقات الدولة العمومية في ميدان الصحة، و تشمل مصاريف التسيير و التجهيز لجميع الهياكل الحكومية و الوحدات الصحية التي تعمل ضمن هذا المجال و تحت تصرف السلطات المركزية، و كذلك المصاريف المرصودة للتأمين عل الأمراض و التخطيط العائلي.
مصاريف الضمان الاجتماعي: و يقصد بها الاعتمادات المادية المرصودة للتعويض عن انخفاض الأجر أو الحرمان منه ، و كذلك المساعدات التكميلية لأفراد من المجتمع.
مصاريف التعليم: و هو مجموع المبالغ المرصودة لتغطية النفقات المتعلقة بتسيير الإدارة و دعم المدرس، و الجامعات و المعاهد، و غيرها من المؤسسات التابعة للتعليم.
المصاريف العسكرية : و تخص هذه المصاريف مجال الإنفاق العسكري ، و يدخل ضمنها شراء المعدان و التجهيزات العسكرية و كذلك التجهيزات التحتية و بناء القواعد و التوظيف و التكوين في هذا المجال .
الساكنة الحضرية: و هي عدد السكان الذين يقطنون المناطق الحضرية حسب المواصفات الداخلية للمنطقة الحضرية مقارنة مع عدد إجمالي الساكنة في البلد حسب آخر إحصاء عام للسكان في البلد.
مؤشر الساكنة النشيطة: و هو عدد الأفراد سواء أكانوا ذكورا أو إناثا و الذين لديهم القدرة على العمل سواء في القطاع العام أ الخاص.
الدين الخارجي: و هو مجموع المبالغ المالية المقرضة من الخارج تحت ضمان الدولة، و غير المضمونة على المدى البعيد، و كذا الدين على المدى القصير، و استعمالات قروض صندوق النقد الدولي و البنك الدولي.
مؤشر خدمة الدين : و هو مجموع الأداءات المخصصة في الميزانية العامة للدولة, المتعلقة بالفوائد و الدين الأصلي الخارجي الكلي بهدف سداد بعض أقساطه .
هذا بشكل مختصر بعض أهم المؤشرات المستعملة عالميا لحساب معدل التنمية البشرية للدول، وذلك طبعا بتركيب هذه المؤشرات و الحصول على معدلات عامة ، بالإضافة إلى مؤشرات أخرى مثل : المساعدة العمومية للتنمية ، معامل الخضوع و التبعية ، الاستهلاك الفردي للكحول ، استهلاك السجائر للبالغين ، مؤشر الضغط على الماء ، الموارد المائية الداخلية المتجددة ، صافي العمليات الجارية ، المداخيل الجبائية ، إنتاج الطاقات التجارية ، استهلاك الطاقة التجارية، استهلاك الأسر، حدود التبادل، فائض أوعجز الميزانية، المساعدة الغذائية من الحبوب، استيراد الحبوب، معدل الإنتاج الغذائي الفردي ((1، إذن هذه مجموع المؤشرات المستعملة، وسنعرض فيما يلي لطريقة حساب مؤشر التنمية البشرية، وسنعتمد في الإحصائيات الضرورية لـحـسـاب هذا المؤشر المركب على المعطيات الواردة في تقرير الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2004((2, و ذلك لكون المعطيات المتعلقة بالتقرير لعام 2005 ليست في المتناول الآن .
 
أمد الحياة بالسنوات
نسبة الأمية
نسبة التمدرس
الناتج الداخلي الخام بالقدرة الشرائية ($)
68,5
50,7%
57,0%
4143,854
 
حساب مؤشر أمد الحياة: و يحسب هذا المؤشر بالاعتماد على النسبة الدنيا و القصوى لأمد الحياة الذي هو بالمغرب 25 سنة كنسبة دنيا و 85 سنة كنسبة قصوى و ذلك باستعمال العملية التالية :

25 – 68, 5

 

 0,70=

 

 

 
            

25 – 85

 

 

 

         
حساب مؤشر التربية: و ينقسم إلى مؤشر الأمية عند الكبار و مؤشر التعليم أي مؤشر التمدرس .

0 – 50, 7

= 0,507
0 – 100
 

حساب مؤشر الأمية:                   

 

 
 
 
 
-1محمد نجيب بوليف / المرجع السابق / ص 115 و 106.
2- Rapport sur le développement humain arabic2004, PNUD, P 229.                                          
حساب مؤشر التمدرس:

0 – 57

= 0, 57
0 – 100
 

 

 

 
 
 
 
 
و تمثل الأرقام 100 و 0 المستعملة في حساب هذين المؤشرين قيم دنيا و عليا لهذين المؤشرين و للحصول على مؤشر التربية نقوم بضرب مؤشر الأمية في العدد 2 ثم نضع الخارج مع مؤشر التمدرس للحصول على معدل التربية بعد قسمة الخارج على العدد 3 و ذلك وفق العملية التالية :

(0,507 x 2)+ (0, 57 x 1)

 

 

= 0,528

 

                  

 

3

 

 

 
حساب الناتج الإجمالي الفردي, محسوب بالقدرة الشرائية:
إن تصحيح الناتج الإجمالي الفردي يتم بالنسبة لمتوسط الناتج الداخلي الفردي العالمي الذي بلغ عام 19945838، و بما أن الناتج المغربي أقل من هذا القدر نأخذ قيمة 4143.
نأخذ العدد 100 و 6154 مستويات مصححة دنيا و قصوى للناتج الداخلي الفردي عالميا و قد تم حساب 6154 بالنسبة للدخل 40.000دولار, كأعلى دخل خام ناتج فردي ممكن، و بالتالي فالعملية كالتالي ((1 :

100 – 4143 

= 0,667
100 – 6154   
 
                                                    
 

 

 
 
 
نأتي الآن لحساب مؤشر التنمية البشرية كالآتي :
نقوم للحصول على هذا المؤشر بحساب معدل المؤشرات الثلاثة التي سبق حسابها كالتالي:

0,702 + 0,528 +0,667

 
 

= 0,620

 

 

 
 

3

 

                                

 

 
 
و نلاحظ أن تدني المؤشر راجع بالأساس إلى تدني مؤشر التربية حيث لم يتجاوز نسبة 0,528, و الجدير بالذكر أن هذه الأرقام الواردة في تقرير "PNUD" لعام 2004 فهي تخص الواقع المعاش لعام 2002.
هذا من الناحية التقنية و كيفية حساب المؤشر، و نسجل هنا تحفظات بعض المختصين على تلك المعطيات حيث
 
 
 
1محمد نجيب بوليف / المرجع السابق / ص 104.
يعتبرونها تفتقد للمصداقية و الواقعية ((1 ، و على الرغم من الثراء الذي عرفه مفهوم التنمية                                                                   البشرية ، إلا أن محاولة إيجاد مقياس للتنمية البشرية اعتراه الضعف و التصور ، حيث أسفرت على مؤشر مركب من ثلاثة مؤشرات لا تعبر عن المضمون بكفاءة ؛ فمثلا مؤشر أمد الحياة عند الولادة و الذي يعطي فكرة عن المدة التي من المتوقع أن يعيشها الفرد لكن لا يعطي أي فكرة عن طبيعة هذه الحياة و لا يعبر بالضرورة عن مدى سلامتها البدنية و النفسية ، أما مؤشر التربية فإنه لا يعكس مستوى التعليم و جودته و ما مدى مساهمته في إكساب الفرد المعرفة و تنمية قدراته ، أما مؤشر نصيب الفرد من الناتج الداخلي الإجمالي فهو مؤشر مبهم آخذين بالاعتبار غياب عدالة توزيع الثروة ، و الدخول الفردية المتفاوتة بشكل صارخ ، و بما أن مؤشر التنمية البشرية يتكون من مركب يتضمن ثلاثة مؤشرات فإنه غالبا ما يعطي صورة مجانية للواقع حيث يمكن لبلد أن يكون لها معدل مرتفع بشكل عام لكنه يعاني ضعفا أو تدني في مستوى آخر ، لكن هذا المؤشر يبقى مدخلا لتقريب الواقع البشري إلى التصور و المعرفة .
بهذه الفقرة نكون قد أنهينا المبحث الأول من الفصل الأول الذي سعينا من خلاله أن نجيب على العديد من الأسئلة المتعلقة بالمفهوم و الإشكالات التي يطرحها ، لنعبد الطريق أمام المبحث الثاني الذي سنحاول من خلاله أن نسلط الضوء على الجانب التطبيقي بشكل أكثر تعمقا و ذلك من خلال تسليط الضوء على متطلبات التنمية البشرية، و أهدافها و كذا قيمتها و التحديات التي تواجهها، قبل أن نعمل على تسليط الضوء على الاستراتيجية الرسمية للدولة المغربية للتنمية البشرية, و التي من خلالها سنحاول الوقوف على تفاصيل المبادرة الملكية للتنمية البشرية التي جاءت في الخطاب الملكي بتاريخ 18 ماي 2005 ، و التي ستكون أرضية الإجابة على إشكالية الموضوع.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
-1 نجار العطار و آخرون / الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية والثقافية / المنظمة العربية لحقوق الإنسان / الدار البيضاء /2003/ ص 60.
المبحث الثاني: المداخل الأساسية للتنمية البشرية.
         لا شك أن المداخل الأساسية للتنمية البشرية, وخاصة مدخل التطلعات, الذي يسعى إلى تنمية الإنسان و توسيع خياراته بشكل أساسي، من خلال تحقيق أهدافها ، عبر الاستجابة إلى متطلباتها ، هذه المتطلبات التي تعرف العديد من الحدود و العراقيل, سواء من الناحية المادية و التي تهم بالدرجة الأولى الاستجابة إلى المتطلبات، و من ناحية أخرى ما يتعلق بالمشاركة الشعبية التي قد تحد من فاعليتها القيم المتناقضة للتنمية البشرية مع القيم و المعتقدات السائدة في المجتمع ، لنطرح السؤال كيف سيتمكن المغرب من خلال المبادرة الملكية للتنمية البشرية من الاستفادة من هذه التطلعات, و تجاوز الحدود و التناقضات ؟ هذه الإشكالات الفرعية سنقاربها من خلال الإجابة عن الأسئلة التالية : ما هي متطلبات و أهداف التنمية البشرية ؟ و هل تطرح قيم التنمية البشرية إشكالية قيمية ؟ أم أن حدودها فقط تتجلى في الجانب المادي التمويلي؟ و ما هي المحددات العامة لإستراتيجية المغرب في التنمية البشرية ؟ كل هذه الأسئلة سنحاول مقاربتها من خلال هذا المبحث.  
المطلب الأول : التنمية البشرية بين التطلعات و التناقضات.
مما لا شك فيه أن تطلعات التنمية البشرية تعتبر من أهم الأولويات التي تسعى الدول إلى تحقيقها و كذلك ببلورة أهدافها و متطلباتها على أرض الواقع و باستقرائنا لهذه الأهداف و التطلعات نجدها طموحة للغاية و مرغوب فيها,  إلا أن الواقع العملي يطرح العديد من الحدود المتجلية من ناحية في التحديات المحيطة بواقع الإنسان التي تؤثر بشكل سلبي على قدرات الإنسان باعتباره أداة للتنمية, و من ناحية أخرى تتجلى في الواقع القيمي الذي يؤطر معتقداته.
 الفرع الأول : متطلبات و أهداف التنمية البشرية .
لبلورة أي مشروع تنموي بشري لابد من خطة واضحة تحركها أهداف و واقعية تساندها متطلبات ضرورية, إذا ما هي متطلبات التنمية و أهدافها ؟ هذا ما سنقاربه من خلال هذا الفرع.
الفقرة الأولى: متطلبات التنمية البشرية.
لقد أثبتت التجارب أن التنمية البشرية لا تحصل في بلد معين إلا بتوفر مجموعة من الشروط و المتطلبات و الضروريات، و تتنوع هذه الأخيرة بتنوع الاحتياجات البشرية واختلافها، فمنها ما هو ضروري للعقل و منها ما هو ضروري للنسل، كما أن منها ما لا يرتفع إلى درجة الضرورات و المتطلبات الملحة بحيث يعتبر من التحسينات و الكماليات, و يدخل في هذا الإطار كل ما يعتبر الحصول عليه تيسيرا للحياة البشرية((1، بينما عدم توفرها لا يشكل أدنى خطر على العقل و الجسم و النسل, إلا أننا سنعرض في هذه الفقرة أهم المتطلبات الأساسية الضرورية للتنمية البشرية, و التي تشمل الصحة و المأكل و الملبس و الاستثمار الاجتماعي.
         * دور المتطلبات الصحية في التنمية البشرية: سبقت الإشارة إلى كون التنمية البشرية تشمل مختلف الجوانب المتعلقة بحياة الإنسان و لعل الجانب الصحي من أهم المجالات التي يجب أن يتقدم فيها حتى يتمكن من
 
 
-1 عبد الرحمان ابن خلدون / المرجع السابق / ص 315..
 
مزاولة الأنشطة الأخرى, فالإنسان المريض أو الذي به علل صحية لا يصلح للعمل و لا يستطيع المساهمة بفعالية و إيجابية في بناء مجتمعه, و نظرا لتشعب موضوع الصحة ، سنكتفي بالإشارة إلى بعض الجوانب التي تتوفر فيها المعطيات و التي تستعملها عادة المؤسسات الدولية لمقارنة المستوى الصحي لدى مختلف الدول و المتمثلة في الخدمات التي تقدمها هذه الدول للشرائح المجتمعية المريضة و خاصة تلك المريضة بأمراض العصر كالسيدا, والسرطان من خدمات صحية مقدرة بعدد الأطباء و الممرضين و التركيز جاء على هذه الأمراض لأنها تتسبب في الأفق القريب بحرمان بلدان متعددة من طاقات بشرية و إنتاجية, هذا زيادة على عبئ الميزانيات المالية للدول التي ينتشر فيها هذا النوع من الوباء و التي غالبا ما تكون في حاجة لها في مشاريع تنموية أخرى, فبالإضافة إلى هذا النوع من الوباء هناك التخدير الذي يساهم بدوره في تراجع صحة الفرد و ينعكس على إنتاجه داخل المجتمع, بحيث تتسبب هذه المخدرات في عرقلة تنمية العقل البشري الذي يعتبر قوام
الإنسان السليم، و لكي يتم الدفع بركب التنمية البشرية كان لابد لمجموعة من الدول أن توفر الخدمات الأساسية لمواطنيها, فالدول المتقدمة تتوفر على ضروريات حياتية صحية تساوي 100% لكي تكون مواطنيها صحيا و لكي تتفادى كل ما من شأنه أم يعرقل سير العمل التنموي فيها ، و بالمقابل نجد مجموع الدول العربية لا زالت هناك شرائح هذا المجتمع تقدر بالملايين لا تستطيع أن توفر لنفسها أو لم توفر لها الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال أبسط مستلزمات الحياة وخاصة في البوادي والضواحي الفقيرة تقدر بحوالي 30 مليون عربي% 13 من السكان لا يستفيدون من الخدمات الصحية, متروكون لقدرهم لا يعرفون الطبيب, ولا المستشفى, ولا الدواء وناهيك عن كون 48% من العرب لا يستفيدون حتى من مياه التطهير(1).
        و لهذا فمن أجل السير في خطة ثابتة نحو تنمية بشرية لابد من الارتقاء بالضروريات الصحية الجسمية للإنسان حتى نتغلب على هذا العنصر الضروري في التنمية البشرية, و ذلك باستثمار الأموال التي تنفقها الدول المعنية و سيما العربية في مجالات لا تعود على الإنسان بشيء كتزيين ملاعب الكولف, و المهرجانات الفلكلورية الفارغة, و الاستقبالات الشديدة الكرم, والمؤتمرات الشكلية.
        * المتطلبات الفكرية و العقلية و آثارها على التنمية البشرية: إن تمكين العقل من الانصهار في عالم ثقافته مختلفة و متباينة لن يتم إلا عبر الاتصال بباقي الفضاءات الفكرية, خاصة من خلال ما توفره و سائل الاتصال والإعلام, فالتقدم مرتبط بسبل الاطلاع و الاستفادة من المتغيرات العالمية فالذي يريد لتجارته مثلا أن تنتشر في مجموع ربوع الأرض, و لمنتجاته أن تغزو الفضاء الخارجي, ولسلعته أن تنال إعجاب العالم، لابد أن يكون مطلعا عل ثقافات الشعوب, ومختلف الحضارات, وعادات الناس في الاستهلاك و نظرتهم إلى الأجنبي, و هذه المعطيات التي لن تتوفر إلا من خلال الوسائل الإعلامية(2), سواء منها المرئية أو المسموعة أو المباشرة التي تؤثر بشكل أو بآخر في المتلقي و في ملكاته العقلية و الفكرية و بالتالي النهوض به على المستوى الفكري شريطة  ألا يتمتع بالسذاجة التي تجعل منه متلقي مستهلك لما يتلقاه دون قراءة ما بين السطور و انتقاده
 
 
1- محمد نجيب بوليف / المرجع السابق/ ص 153.
 
لما يتلقاه، إضافة إلى أن وسائل الإعلام و الاتصال تعتبر من البنيات التحتية اللازمة للاستثمار, زيادة على المطالعة و الاطلاع على ما يجري بالعالم حتى يتسنى للفرد داخل المجتمعات التي تأخذ بالتنمية البشرية في إستراتيجية الخروج من الأزمات التي نتخبط فيها و بالتالي التمتع بمستوى فكري يرقى إلى ما تطمح إليه بلاده و مجتمعه لكي يواكب ركب التنمية(1) .
        *توفير الأمن الغذائي ضرورة تنموية: إن توفير الأمن الغذائي يعد من أبعاد التنمية البشرية ، لأنه يساهم في النمو البشري و في التوازن الصحي و البيولوجي للبشر . فالإنسان الذي يستطيع إشباع رغباته في مجال التغذية لا شك أن يتمتع بمستوى معين من القدرة الشرائية أو أن هيئات و مؤسسات تقوم بتوفير الغذاء له. و قد مثلث مشكلة توفير الغذاء الهدف الأساسي الذي تعمل مجموعة من الدول و خاصة بعد النداء الشهير لمالتوس " ويل للفقراء" الذي ردده منذ 1798 و الذي مفاده " أن المجاعة تبدو و كأنها أخطر و أبغض موارد الطبيعة, فقوة السكا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

علاقة الحركة النقابية بالأحزاب السياسية

كتبها Akhouzam Hicham ، في 20 أبريل 2010 الساعة: 17:45 م

مقدمة رسالة لنيل دبلوم الماستر في العلوم السياسية والقانون الدستوري

نوقشت يومه 13 فبراير2009 بجامعة محمد الخامس كلية الحقوق أكدال _ الرباط

إنجاز الباحث هشام أخزام            تحت إشراف الدكتور امحمد الداسر

المقدمة:
تعد النقابات جزءاً لا يتجزأ من البنيان السياسي والاقتصادي، ثم الاجتماعي في مختلف دول العالم، إذ تضطلع بعدة أدوار أساسية في بناء مجتمع قوي ومتماسك، وقد ارتبط ظهور الحركة النقابية بالتطورات التي عرفها العالم منذ القرن التاسع عشر نتيجة الثورة الصناعية، وما صاحبها من استغلال كبير للإنسان.
يحيل المعنى العام لكلمة حركة على سلسلة من الأعمال و الجهود التي تأتيها جماعة من الناس بغية تحقيق أهداف معينة، إلا أن الاستعمال العملي لهذه الكلمة قد يشير إلى عدة معاني غير المعنى السابق ذكره، وننطلق في دراستنا هذه من اعتبار الحركة النقابية عملا منظما، وجهودا خلاقة لمجموعة من العمال أو الموظفين الذين يحاولون الوصول إلى أنبل الأهداف الإنسانية، مع استحضار ما طرأ عليها من تحولات سواء في المضمون، أو في الوسائل، والتي كان لها في مجموعها عدة آثار على الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي العام للمجتمع، خاصة في المراحل الأولى لبداية تكوين الدولة العصرية بالمغرب بعد اندحار الاحتلال الفرنسي.
أخطر ما يواجه الحركة النقابية من اتهامات، وتشكيك في أدوارها، هو تداخلها بالحقل السياسي، وإنشاء علاقات مباشرة أو غير مباشرة بالأحزاب السياسية، وجلب التحزب لفضاءات الشغل، مما يؤدي إلى ضرب الوحدة العمالية، وانقسامها بين تيارات سياسية متناقضة، واستغلال الأحزاب للقضايا العمالية من أجل ممارسة ضغوطهم على الأنظمة الحاكمة، وتصفية خلافاتهم مع الحكومة القائمة، الشيء الذي ينتج عنه إضعاف الحركة النقابية.
إن الفترة التاريخية التي تجتازها الحركة النقابية المغربية اليوم جد مركبة تفرض إكراهات كبرى تعقد من مهمة هذه الحركة الاجتماعية، ففي هذا الإطار الزمني يعرف

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

بقلم الأخ محمد البوشيخي

كتبها Akhouzam Hicham ، في 4 أكتوبر 2007 الساعة: 16:43 م

                     

بـــــيـــــــداغــــوجـــيـــة الـــــمــــشـــــــروع


عناصر العرض:
       تمهيد
I – مفهوم المشروع وأصوله النظرية.
II – خطوات تحقيق المشروع.
·        1 – اختيار المشروع وتحديد أهدافه.
·        2 – تخطيط المشروع و تنظيمه.
·        3 – تنفيذ المشروع.
·        4 – تقويم المشروع.
III – وظائف بيداغوجيا المشروع.
·        أ- خصائص بيداغوجيا المشروع.
·        ب – أهداف بيداغوجيا المشروع.
·        ج – المبادئ والأسس.
IV – مزايا بيداغوجيا المشروع وأهم الانتقادات الموجهة إليها.

تمهيد

         يعتبر التعلم بواسطة المشاريع مقاربة تربوية وتصميما بيداغوجيا في آن واحد، ويعتمد هذا الأسلوب من التعلم على تشجيع المتعلم على البحث والتقصي ووضع أسئلة محورية وجوهرية، حيث تنمي في المتعلم منهجية البحث وتشجيع المتعلمين على إظهار كفايات ذهنية تسمح بتوسيع دائرة معارفهم من مجرد إلى التطبيق، كما تشجع روح التعاون بين المتعلمين لتنفيذ مشاريعهم، والمشاريع كمقاربة تربوية تعطي فرصة انفتاح المؤسسة على محيطها المباشر.
          تضع بيداغوجية المشروع المتعلم في قلب العملية التعلمية في حين يلعب المدرس دور الموجه والمرشد في عملية التصميم وتنفيذ المشاريع. وبذلك تعتبر بيداغوجية المشاريع نموذجا للتعليم والتعلم.
ومن مزايا بيداغوجية المشاريع تعطي المتعلم الإحساس بالتملك حيث أنها تنطلق من أسئلة محورية قد يطرحها هو بنفسه ويكون هذا الإحساس بالتملك أقوى حينما تتمحور هذه الأسئلة حول قضايا ذات علاقة بمحيطه الاجتماعي والاقتصادي والثقافي إضافة إلى الإحساس بالتملك، فالمشاريع التربوية تخلق لدى المتعلم الإحساس بالتحدي، كما تعطي المتعلم الإحساس بالمسؤولية حيث أن المتعلم يلعب الدور المحوري في العملية التربوية بينما يلعب المدرس دور الموجه فقط، فهو يختار الأسئلة المحورية لمشروعه كما يقوم بتوجيه عمليته التعلمية وما يتناسب ومستواه المعرفي، كما يقوم بالتأمل الذاتي في السيرورة التعلمية.
 I . مفهوم المشروع وأصوله النظرية.
1 - من حيث المفهوم.
لا جدال في أن لفظ "مشروع projet " أضحى يمثل العملة اللغوية الأكثر تداولا في شتى مجالات الحياة اليومية وخاصة تلك التي لها علاقة بالسياسات التربوية والاجتماعية والصناعية والشخصية. فرغم كثرة الأسئلة التي يثيرها الإفراط في تداول هذا الملفوظ واستعماله المكثف في مختلف هذه المجالات، إلا أنه ما يزال يحتاج عندنا في المغرب، وفي العالم العربي عامة إلى مزيد من البحث والتقصي قصد بيان مدلوله السيكولوجي ووظيفته في مجال التعبير من جهة عن مظاهر أزمة مؤسساتنا التربوية ومن جهة أخرى عن مقومات مسؤولية كل فرد أمام مستقبله لأن المجتمع لم يعد قادرا على تحمل تلك المسؤولية.
إذا كان المشروع لا يتشكل إلا حينما تواجه الذات تباينا بين ما هي عليه وبين ما تقوم به وتحسه وتعيشه، بمعنى حينما تكتشف الذات إمكانية تجاوز وضعيتها غير المرغوبة من خلال ملاءمة العالم الذي تعيش فيه لقدراتها وآفاقها المستقبلية، فما المقصود إذن بالمشروع؟.
إنه ببساطة انخراط في المستقبل وتفتح على آفاقه وإسقاط للذات في مساره من خلال تحديد الهدف المبتغى. فهو عبارة عن خطة يعتمدها الشخص لتحقيق مقاصد محددة عن طريق توقعها وتوفي الوسائل اللازمة لبلوغها.إنه تمثل تنبؤي لنتيجة مستقبلية يستهدف منها الشخص تحقيق مقاصده ومطامحه ورغباته وحاجاته، وبهذا يبدو أن مفهوم يتأسس على بعدين اثنين:
أولهما: زمني مستقبلي، قوامه أن مفهوم أني مشروع لابد وأن يرتبط بسيرورة الزمن. فهو يشير إلى الانفتاح على المستقبل لتحقيق هدف محدد، لكن هذا التوجه نحو إسقاط الذات في سيرورة الزمن المستقبلي كثيرا ما يطرح بعض المشاكل المرتبطة أساسا بانسداد آفاق المستقبل بفعل أزمة القيم والبطالة وبعض الأحداث الصادمة. ولهذا فإن نجاح أي مشروع من المشاريع يتوقف من جهة على طبيعة الأهداف والقيم والأخلاق التي تواجهه ومن جهة أخرى على نوعية العلاقة القائمة بين أطرافه الثلاثة الأساسية وهي الذات والمؤسسة والمجتمع.
وثانيهما فردي ذاتي، مفاده أن مفهوم المشروع وخاصة في منظوره التربوي يرتكز على بيداغوجية إكساب المتعلم مجموعة من الكفايات المركزية وفي مقدمتها:
- المسؤولية الذاتية: بحيث يتخذ المتعلم نفسه كمصدر لأفعاله ونتائج هذه الأفعال.
-       المبادرة وتخاذ القرار: بحيث يقرر المتعلم أهدافه الرئيسية والخطط اللازمة لبلوغ هذه الأهداف.
-التوقعية، بحيث يحدد المتعلم أهدافه الرئيسية والخطط اللازمة لبلوغ هذه الأهداف.
-            التكيف والتلازم، بحيث يتكيف المتعلم مع مستجدات الواقع الذي يواجهه عبر توظيف استراتيجيات تعلمية جديدة وخاصة على مستوى تدبير التغيرات المصاحبة لهذه المستجدات.         
ويعرف " ARDOINO " المشروع على أنه توقع لوضعية نطمح إلى رؤيتها مجسدة على أرض الواقع" فأصل كلمة مشروع هو فكرة أو حلم أو غاية نسعى إلى تحقيقها، ولتحقيق هذا المشروع يتطلب ضبط جملة من الوسائل والمناهج يقوم المتعلم إما بإنتاجها أو بتطويرها أو بتعديلها، ومختلف هذه الأنشطة الفعلية التي يمارسها المتعلم في إنجازه للمشروع تنمي لديه قدرات معرفية ( اكتساب معارف جديدة) ومهارتية (اكتساب كفايات جديدة).
         كما تعتبر مبادئ ديوي Dewey التربوية والبيداغوجية بمثابة الأساس النظري والفلسفي والعلمي والاجتماعي التي قامت عليه طريقة المشروع " التعلم من خلال العمل" والنزعة البراكماتية.
ولقد وضع أسسها ومبادئها العملية ا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

تفاعلا مع حملة تبني مئة يتيم

كتبها Akhouzam Hicham ، في 29 سبتمبر 2007 الساعة: 14:30 م

 

تكثر الآيات والأحاديث وأقوال أهل العلم التي تحث على كفالة اليتيم
.ويزيد الفضل وتعظم الخيرات في رمضان ، شهر البركات ومضاعفة الأجور .. 

راجين من الله العلي القدير أن يتقبل منا فيعتق رقابنا من النار.
ومن ضمن حملات الخير - التي نسأل الله أن يباركـ بها وتستمر - جاءتني فكرة المشاركة في حملة كفالة المئة ،يتيم في بلدنا المغرب ونقتبس الفكرة ونشارك فيها إخواننا في موقع إنشادكم.

فكرة الحملة

حملة الـ 100 يتيم

فكرة الحملة :

المشاركة سويًا في كفالة يتيم .. حتى نصل للعدد المئة ..

طريقة الكفالة :

الذهاب لأي جمعية خيرية في منطقتكم خاصة بكفالة الأيتام أو من ضمن أعمالها تكون الكفالة
وتعبئة طلب الكفالة .. 

كل شخص يكفل يتيمًا ، عليه -لو ممكن- إرسال صورة من الطلب بعد تعبئته لـ للعنوان

Akh_hicham@hotmail.com

أو يرسل إلينا ببريد إلكتروني قصد التحقق من نجاح الحملة وأن نصل لمئة يتيم متكف

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

كتب صدرت مؤخرا / أو تلخيصا لأحد الكتب

كتبها Akhouzam Hicham ، في 26 سبتمبر 2007 الساعة: 17:50 م

السلام عليكم مرحبا بك في مدونتك

 إذا كان لديك عناوين كتب صدرت مؤخرا

أو تلخيصا لأحد الكتب

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

فن التواصل

كتبها Akhouzam Hicham ، في 26 سبتمبر 2007 الساعة: 16:45 م

هذه المساهمة من جمعية الرسالة للتربية والتخييم

جهة فاس تافيلالت

فرع فاس بن سودة

موضوع فن التواصل

من إعداد

محمد أوشباب

محمد البوشيخي

:عناصر العرض 

   مفهوم التواصل الفعال.
   مركزية المربي في عملية التواصل والاتصال الفعال.

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الرقابة على المال العام

كتبها Akhouzam Hicham ، في 21 سبتمبر 2007 الساعة: 17:40 م

هذا العمل نتيجة جهد مجموعة البحث الخمسة

الرقابة وظيفة إدارية تعنى بقياس وتصحيح أساليب الأداء للمرؤوسين, من أجل التأكد من أن أهداف المؤسسة وخططها التي وضعت لتحقيق هذه الأهداف قد نفذت, وتقرير ما إدا كانت الخطط التي وضعت قد تم اعتمادها في التنفيذ, وما إدا كان هناك تقدم فعلي نحو تحقيق الأهداف, والتحرك لتصحيح الانحرافات والأخطاء. كما يمكن تعريفها بأنها: مجهود تقوم به الجهات المسئولة يشمل الملاحظة المستمرة للأداء, وقياس النتائج الفعلية واستخراج مؤشراتها بحيث يمكن مقارنتها بالمعايير الموضوعة لتحديد الانحرافات عن الأهداف المسطرة, أو توقع حدوت هذه الانحرافات ومعرفة أسبابها, تم تحديد انسب التصرفات العلاجية والتصحيحية التي تحقق الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة للتنظيم لتحقيق أهدافه, كما تساعد على التحقق من أداء الأنشطة بالكيفية المحددة لها طبقا للإجراءات, والأنشطة التي تحكم أداء العمل الإداري العام, وكذلك تمكن من التحقق من أن التنفيذ يسير في اتجاه الأهداف الرئيسية المحددة.[1]

       والرقابة المالية هي رقابة تعنى بقياس وتصحيح أساليب تدبير المال العام للمكلفين بذلك من أجل التأكد من أن أهداف المشروع المجتمعي باعتباره مشروع يترجم تطلعات و انتظارات الشعب والخطط التي وضعت لتحقيق هذا الهدف والمترجمة في القانون المالي قد نفذت، وتقرير إذا ما كانت تلك الميزانية و الإعتمادات المالية المرصودة للتنفيذ قد صرفت بالفعل وحققت النتائج المطلوبة.

        كما تعرف بأنها مجهود، عمل تقوم به الجهات المسؤولة يشمل الملاحظة و المتابعة المستمرة للأداء المالي، وقياس نتائجه الفعلية واستخراج مؤشراتها القياسية لتشخيص الانحرافات عن الأهداف المسطرة، ووصف العلاج المناسب لتصحيحها.

       لقد ارتبط مفهوم رقابة المال العام بتطور الأنظمة المالية والإدارية للدولة حيت لا يمكن الجزم أن رقابة المال العام ارتبطت بظهور الدولة الحديثة بل لها امتدادات في التاريخ القديم للإنسان في هذا الصدد نسوق تجربة الدواوين في الدولة الإسلامية عهد عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) ثم نموذج أخر للرقابة الذي كان له بعد سياسي وكان وراء ظهور النظام البرلماني في إنكلترا، وهكذا ستشهد الرقابة تطورات نوعية لتأخذ الشكل المتطور الحالي.

       كلما انتشر الفساد المالي، ومحاولة الإغتناء السريع وسوء التدبير، والسلوك المالي المنحرف كلما برزت أهمية الرقابة الفعالة والصارمة على المال العام من أجل صيانته وتوجيهه لصرفه في الأوجه المحددة لتحقيق المصلحة العامة، من هنا تأتي أهمية الموضوع كونه يتناول قضية شكلت محور اهتمام الدول على مختلف أحجامها و أشكالها، لمواجهة اخطر الصعوبات التي تواجه الأمم.

       بعد معرفة ماهية الرقابة المالية وأهميتها، يبقى الأسئلة المطروحة في هذا الصدد ما هي أنواع الرقابة المالية؟ وماهي أهدافها؟ وما الحدود التي تعتري ممارستها؟ وكيف السبيل لتجاوز تلك الحدود؟ وهل من وساءل وتقنيات جديدة للرقابة على المال العام؟

إن الموضوع المفتقد لإشكالية يبقى موضوع جامد يفقد لحيوية الفكر ورشاقة النقاش، غير أن موضوعنا هذا يزخر بالعديد من الإشكالات الفرعية والتي سبق أن صغناها في شكل أسئلة جزئية،  هذه الأسئلة هي التي ستؤطر إشكالية الموضوع التي هي: كيف يمكن تفعيل الرقابة المالية للحفاظ على المال العام؟ لمقاربة هذه الإشكالية سنعتمد خطة البحت التالية:

مقدمة: - 1 -

المبحث الأول: طبيعة الرقابة على الأموال العمومية - 2 -

أولا:  تعدد أشكال الرقابة على المال العام - 2 -

أ: الرقابة الإدارية - 2 -

1: مراقبة الالتزام بالنفقات.. - 2 -

2: مراقبة المحاسبين. - 4 -

3: مراقبة المفتشية العامة للمالية - 5 -

ب: الرقابة القضائية - 6 -

1: اختصاصات المجلس الأعلى للحسابات.. - 6 -

2: اختصاصات المجالس الجهوية للحسابات.. - 8 -

ج: الرقابة السياسية - 9 -

1: تقنيات الرقابة أثناء تنفيذ القانون المالي. - 9 -

2: قانون التصفية كآلية للرقابة البعدية - 10 -

ثانيا: أهداف الرقابة على المال العا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الأصول السحرية للسلطة

كتبها Akhouzam Hicham ، في 21 سبتمبر 2007 الساعة: 17:23 م

 لg     لكي نعرف طبيعة السلطة ينبغي معرفة كيفة ظهرت لأول مرة، وما الوسائل التي   حصلت بها الطاعة للحاكم . 
        إن عملية البحت في أصول السلطة تبدو صعبة كون المؤرخ لا يظهر إلا بشكل متأخر في مجتمع متقدم بشكل واسع. فكلما غاص في التاريخ الماضي إلا وقلت معه الوثائق والدلائل حيث سيجد في الأخير سنده متكون فقط من الأخبار الشفاهية المشوهة من جيل لجيل.
ماذا بخصوص عالم الأثار الذي أعاد الحياة لحضارات مدن مدفونة منسية، لكن ماتقودنا إليه الحفريات هو معرفة التقنيات المشابهة لنا، إن الألواح التي تم إكتشاف معناها تدريجيا إنما هي مخطوطات الحكومات الراشدة، وكل لايسمح بالتعرف على الحكومات بقدر ما يكشف طريقة حيات البشر الاقل تقدما، ليبقى عالم السلالات ملجأنا الأخير.
         لقد اتصف المتحضرون في كل الأزمنة بالفضول لمعرفة حياة البرابرة،ولعل الأب اليسوعي "لافيتو"«lafitau »  كان أول من قام بالبحث في ممارسات البرابرة و أعرافهم، بمقارنة ملاحظاته عن الإيروكيين مع  ما رواه المؤلفون اليونانيون عن أقدم العادات التي حفضتها الذاكرة لهم.
إن الفكرة القائلة بأن مجتمعنا ما هو إلا امتداد للمجتمعات البدائية لم تنتعش إلا مؤخرا لأن الأمر كان يحتاج منا النظر إلى الأجسام الحية كأشياء متناسبة فيما بينها، وأن الأجناس تنتمي لنفس الأصل، وعندما أشاع كتاب داروين هذا الرأي طبقه البعض على الأجسام الاجتماعية، وحاولو أن يجدو في مجتمعات متوحشة متمايزة مراحل مختلفة في نمو مشترك كان بين كل المجتمعات التاريخية. وفي التطبيق الحماسي الأول لهذه الفكرة لم يكن البعض ليشك قط بترسيخ فكرة تطور العشيرة إلى الديمقراطية البرلمانية، مثلما يثبته التطور من القرد إلى الإنسان.
         وبعد الملاحظات الأولى عمل تعدد البحوث على تعقيد المنظر وتشويشه، ولم يعد يبدو مؤكدا أن هناك مجتمع بدائي واحد، وإنما تم القبول بتعدد المجتمعات البدائية بسمات مختلفة سمحت بظهور أشكال مختلفة من التطور، أو أعاقت ذالك التطور، ولم تعد المحاولات قائمة على البحث في مكان واحد عن نموذج لمجتمعنا القديم.
         السلطة السياسية تنحدر من السلطة الأبوية.
         يتفق جل المفكرين على أن الأسرة هي نواة المجتمع الأولى، والخلية الأساس في البناء الاجتماعي اللاحق، كما اعتبروا السلطة الأبوية الشكل الأول للقيادة و الركيزة الأساس لكل الأشكال الأخرى، وهكذا يتفق كل العلماء بأن تجمع الأسر فيما بينها يشكل المجتمع، حيت التجمع الأول لهذه الأسر بهدف تبادل الخدمات شكل القرية التي يمكن تسميتها مستعمرة طبيعية للأسرة، ويرأس هذه المجموعة طبيعيا الأكبر سنا الذي يكون ملك من نوع ما، ومن هذه الأسرة الموسعة يمكن الانتقال إلى المجتمع السياسي.
         في الحالة البطولية كان الآباء هم الملوك المطلقون لأسرهم، وقد شكل هؤلاء فيما بينهم المجالس الحاكمة، ووجدوا أنفسهم يجمعون مصالحهم الخاصة ويربطونها بسكان القرية التي سموها وطنا، لنصل من خلال ما تبناه من نظرية إلى اعتبار الحكومة الملكية أو المجلسية طبيعية، إذ المجتمع قدم درجتين مختلفتين من السلطة، حيت يمارس رئيس الأسرة القيادة على مجموعته، في حين لا يخضع هو إلى قهر أو إكراه، فلا يلتزم إلا بإرادته الحرة، و يرتبط هؤلاء الرؤساء فيما بينهم عن طواعية وتراضي.
         لنوضح الآن مفهوم الأسرة الأبوية بواسطة مثال يقدمه علم السلالات الحديث، فلدى قبائل "الساموبياتنغا" نرى الأسرة الأبوية تتكون في بعض الأحيان من أكثر من مئة فرد مجتمعين في نفس المكان حول أب مشترك، إن كل من يعيش في أحد الأكواخ الرباعية يخضع لسلطة رئيس الأسرة بشكل مطلق، وبتوسيعها تنقسم الأسرة إلى مساكن متمايزة حيث يعترف لرئيس المسكن بالسلطة الموجهة الذي يتم العمل من أجله، مع الاعتراف لرئيس الأسرة بالسلطة الدينية. لقد ساعدت هذه الملاحظات في فهم ما كانت عليه العشيرة الرومانية بشكل كبير، وفهم كيف يمكن لمجتمع كهذا أن تكون

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

إصلاح طرق التوظيف بالمغرب

كتبها Akhouzam Hicham ، في 21 سبتمبر 2007 الساعة: 17:11 م

هذا العمل نتيجة عمل جماعي لمجموعة البحث الخمسة

المقدمة:

يقصد بالتوظيف الالتحاق بالوظيفة العمومية، وتعتبر هذه العملية إجراءا قانونيا يدخل في تعريف الموظف نفسه حسب الفصل الثاني من ظهير 24 فبراير 1958 المتعلق بالنظام الأساسي للوظيفة العمومية، حيث تعرف الموظف بأنه: "كل شخص يعين في وظيفة قارة ويرسم في إحدى رتب السلم الخاص بأسلاك الإدارة التابعة للدولة".

  من خلال عملية التوظيف تضمن الإدارة تغطية حاجياتها من الأطر البشرية العالية التكوين، ولا يخفى على أحد أهمية العنصر البشري في جهاز الإدارة، فإذا تمكنت هذه الأخيرة من تمييز الموظف الرفيع عن الوضيع وجلبته إليها فالأكيد مبدئيا أنها ستكون أدارة فعالة، وذات مردودية عالية، وتسلك الإدارة في سبيل ذلك عدة طرق يؤطرها النظام الأساسي للوظيفة العمومية السابق ذكره، وكذلك الأنظمة الخاصة.

  لاشك أن التطور الذي عرفته الإدارة بشكل عام انعكس على أساليب اختيار الموظف حيت أفرز نظامان مختلفان؛ الأول نجده في الولايات المتحدة الأمريكية، وكندا ودول أخرى، حيت يتم التوظيف عن طريق العقد كما هو معمول به في القطاع الخاص، والنظام الثاني معمول به في فرنسا ودول أخرى من بينها المغرب، حيت ينظر للوظيفة كعمل قار وتابت يخضع لقوانين خاصة.

  إن التحديات والمستجدات التي تواجه الإدارة المغربية اليوم أبانت عن محدودية النظام المعمول به في مجال التوظيف، حيت لم يعد يواكب الحاجات الحقيقية للإدارة من الموظفين, الشيء الذي يطرح الحاجة إلى إعادة النظر في طرق اختيار الموظفين .

  من خلال ما سبق نستطيع طرح إشكالية مركزية يمكن صياغتها في شكل سؤال كالتالي: كيف يمكن تجاوز قصور طرق إختيار الموظف و إقرار أخرى أكثر فعالية؟

  لمقاربة هذه الإشكالية سنحاول الإحاطة بفكرتين أساسيتين هما: واقع التوظيف

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

غل وأردوغان يدعوان لإنهاء حظر الحجاب بالجامعات

كتبها Akhouzam Hicham ، في 21 سبتمبر 2007 الساعة: 11:56 ص

  دعا الرئيس التركي عبد الله غل لوضع حد لحظر الحجاب المفروض في الجامعات التركية وذلك في خضم النقاشات الجارية بشأن تعديل دستور البلاد وإمكانية إدخال موضوع الحجاب ضمن بنوده.
        وأيد الرئيس غل -الذي رشحه لذلك المنصب حزب العدالة والتنمية ذو الجذور الإسلامية- الدعوات إلى إنهاء حظر الحجاب على الطالبات الجامعيات، معتبرا ذلك يمثل خرقا للحريات الشخصية ومسا بحق النساء المحجبات في التعليم.
        وقال الرئيس غل في تصريحات صحفية -أثناء زيارته الجزء التركي من جزيرة قبرص- إنه من الأفضل بالنسبة للنساء المحجبات أن يلجن الجامعات بدل المكوث في البيوت والبقاء بعيدا عن الحياة الاجتماعية.
        وأشار غل إلى أنه "يجب معالجة قضية الحجاب في الجامعات من وجهة نظر الحريات الشخصية وباعتبار ذلك ثمرة للحداثة".
        وقلل الرئيس التركي من المخاوف المثارة حول كون إنهاء حظر

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التنمية البشرية

كتبها Akhouzam Hicham ، في 20 سبتمبر 2007 الساعة: 17:03 م

التنمية لغة هي: " النماء "، أي الزيادة التدريجية، يقال نما المال نموا، أي تـراكم وكثر و ازداد (1). و يستخدم بمعنى الزيادة في المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و غيرها من المسـتويات. و نسجل اختلافا بين مفهوم النمو "Croissant" و مفهوم التنمية "Developpement" ، فالنمو يشير إلى التقدم التلقائي ، أو الطبيعي العفوي دون تدخل معتمد من قبل المجتمع أو هياكله المتخصصة أما عملية التنمية فهي تلك الخطط المدروسة و المحكمة في إطار زمني محدد, و أهداف واضحة قابلة للقياس, تخضع للتقييم والتقويم،  وولها صفة الواقعية (SMRT) (2) لإحداث التقدم و النمو بصورة سريعة، و يأتي النمو من خلال تطور تدريجي يتسم بالبطيء، بينما تحتاج التنمية إلى قوة دافعة تحرك قدرات البشر الخبيرة ، التي تعمل على إخراج الناس  من حالة الجمود والتردي لا إلى حالة الحركة و التقدم، كذلك يوجد تباين في المفهوم بين التغيير"Changement " و التنمية "Developpement" فالأولى و إن كانت الانتقال من وضع إلى آخر، والتغيير في الوضع القائم و استبدال ما هو موجود بشيء آخر، فإنه لا يعني بالضرورة إلى الأفضل والأحسن فقد يكون التغيير للأسوأ و استبدال السيئ بالأسوأ، بينما غرض التنمية وهو التغيير و التبديل نحو الأفضل بخطوات مستقيمة صاعدة إلى الأمام بشكل أحسن مما كان (3) ، فالتنمية هي ذلك النمو أو الزيادة المضبوطة على أسس علمية ، ثم قياس أبعادها الثلاثة الإنسان ، المكان،  ثم الزمان، فإذا تم إغفال بعد من هذه الأبعاد ستصبح الصورة غير جميلة.
التنمية البشرية هي عملية مقصودة وفق سياسات الدولة بغية إحداث تطور و تقدم على عدة مستويات سواء اقتصادية ، سياسية و حتى الاجتماعية و الثقافية و البيئية من أجل البشر سواء حدث ذلك في مجتمع محلي أو إقليمي أو حتى الوطني و ذلك بالارتكاز على المجهودات الرسمية للدولة و كذلك الاستناد على الفاعل الأساسي في المجتمع ألا و هو المجتمع المدني و خاصة مكون الجمعيات كل في نسق منسجم ، على أن يكتسب كل واحد منهما على القدرة على مجابهة التحولات و المشاكل التي قد تنجم عن هذه العملية (4) ؛ إنها ذلك التحريك العلمي المدروس وفق خطة معينة لكافة الوسائل و الآليات البشرية و المادية و اللوجيستيية للقيام بعمليات على كافة المستويات و جميع الأبعاد ، و من خلال إيديولوجية محددة لتحقيق التغيير المأمول من أجل
 


-1 المعجم العربي.
2- S: STRUCTE / M: MUSIRABLE / R: Ruelle / T: TEMPORAIRE.
3- إبراهيم العسل / التنمية في الإسلام مفاهيم مناهج و تطبيقات / المؤسسة الجامعة للدراسات و النشر و التوزيع / بيروت / ط I / 1996 / ص 59.
-4 عبد المنعم شوقي / تنمية المجتمع و تنظيمه / مكتبة القاهرة الحديثة / القاهرة / ط II / س 1991 / ص 43.
الانتقال في إطار الممكن من اللامرغوب إلى المرغوب فيه ؛ أي من الأسوأ إلى الأقل سوءا، أو من الحسن إلى الأحسن؛ إذن يمكن القول أن التنمية البشرية في كنهها هي عملية نابعة من المجتمع مرماها التغير الشامل في مجتمع معين من خلال طفرة في مختلف هياكله، و من تم فهي تسعى إلى حكمة المجتمع و بعث الروح الإيجابية فيه و تأهيله للقبول بالتغير و تكاليفه و أعبائه و أن ينخرط فيه نحو الأفضل و الجيد ، و بذلك فهي خطاب يقتضي معرفة شيء عن كل شيء و معرفة كل شيء عن شيء يتم توجيهه إلى المجتمع لإقناعه ثم تحويل تلك القناعات إلى مفاهيم و مدركات ثم إلى فعل إيجابي و أنشطة هادفة على أرض الواقع ، و إذا كان الأمر على هذا المنوال ، فلابد أن يكون ذلك الخطاب الثقافي للتنمية البشرية الذي يستدعي معرفة شيء عن جميع المجالات و معرفة كل شيء عن أحد المجالات فلابد أن يتسم هذا الخطاب بالبساطة و الواقعية حتى يكون مفهوما ، مفكوك الرموز واضع الاستنباطات ، نابعا من الثقافة السائدة داخل المجتمع حتى يتمكن هذا المجتمع من التعاطي معه بالفهم و التقدير ثم الاقتناع و التفاعل، فالتطبيق و الممارسة؛ أي أن ينتقل من مجرد خطاب نظري إلى واقعة مادية ، يجسدها العقل التنموي البشري ، أو بتعبير آخر أن يتمكن ذلك الخطاب التنموي من المرور بسلاسة و فعالية من خلال الوسيط البشري عبر الوعي الإيجابي و المدركات الاجتماعية الفاعلة التي تتحول إلى ظواهر اجتماعية بعد أن كانت مجرد سلو

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb